الجمعة, نوفمبر 28, 2025
الجمعة, نوفمبر 28, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

صراع الهوية والانقسام في حروب السودان

ظلت قضية الهوية حاضرة بشكل مؤرق وإلحاح شديد على السياسيين والمثقفين والنخب السودانية، منذ أن طرحوا على أنفسهم هذا السؤال البسيط المباشر: هل نحن عرب أم أفارقة؟ ومنذ أن حذر بعضهم من أن سؤال الهوية هذا يمكن أن يكون سببا في تفكك البلاد وضياعها إذا لم يحسن السودانيون إدارة التنوع الذي تقوم عليه بلادهم، لكن لعل أكثرهم تشاؤما لم يكن يتوقع أن يصل الحال إلى ما وصل إليه خلال الحرب الراهنة التي اندلعت في الخامس عشر من أبريل عام 2023. هذه الحرب التي لم تكن الأولى في تاريخ السودان المستقل، فقد سبقتها حروب أُخر(حرب الجنوب، حرب دارفور، والحرب في جبال النوبة والنيل الأزرق)، فما الذي يجعلها مختلفة عن سابقتها بالنسبة للوطن والمواطنين؟

لعل الاختلاف الأول والأبرز هو الشمول الجغرافي، فالحروب السابقة كما يبدو من الأسماء التي عرفت بها (الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق) انحصرت في مناطق محددة، تلك المناطق التي عرفت في أدبيات بعض الكتاب والسياسيين السودانيين بمناطق الهامش، مقابل المركز الذي يتمثل، في نظر البعض، في العاصمة الخرطوم وشمال البلاد ووسطها وربما شرقها. ورغم أن هذا الفرز بين الهامش والمركز ربما لا يكون دقيقا، فإن الحقيقة هي أن الحروب السابقة انحصرت في تلك المناطق الجغرافية بينما تمددت الحرب الحالية لتشمل كل ولايات السودان تقريبا، وحتى تلك الولايات التي ظلت بعيدة عن المواجهات الميدانية المباشرة لم تسلم من هجمات المسيرات (الدرونز) التي تملكها قوات الدعم السريع والتي استهدفت محطات الكهرباء مؤخرا في ولايات القضارف والشمالية، في شرق السودان وشماله. 

 الاختلاف الثاني هو أن كل الحروب السابقة اندلعت أول الأمر بسبب الشعور بالتهميش والتنمية غير المتوازنة والمطالب الجهوية، ثم طوَّرت الحركات المسلحة فيما بعد خطابا سياسيا للتعبير عن هذه المطالب، لكن أحد أبرز العوامل المسببة لحرب الخامس عشر من أبريل هو الخلاف السياسي بين الجنرالين عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي وقائد الجيش ونائبه محمد حمدان دقلو الشهير بـ “حميدتي”، وخاصة فيما يتعلق بتطبيق الاتفاق الإطاري الموقع بين الجيش والدعم السريع وقوى سياسية سودانية في ديسمبر 2022. في مرحلة لاحقة بعد اندلاع الحرب برز الخطاب الجهوي والقبلي والمناطقي ليشكل عاملا هاما في تأجيج القتال واستمراره.

أما الاختلاف الثالث فهو الفرز المجتمعي الحاد على مستوى المدينة أو القرية أو الحي. ويذكر كاتب هذا المقال ويذكر معه ملايين السودانيين، أنه عندما اندلعت حرب الجنوب في نسختها الثانية مرة أخرى عام 1983، ظل مئات الآلاف من الجنوبيين يعيشون في مدن الشمال دون أن يُستهدفوا بسبب انتمائهم العرقي، أما ما وصل إليه الحال اليوم فهو أمر يفوق الخيال السياسي، حيث تداول السودانيون مشاهد مروعة لاستهداف سكان “الكنابي” عقب استعادة الجيش لمدينة مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، من قوات الدعم السريع في يناير 2025، بعد ثلاثة عشر شهرا من سيطرة الدعم السريع عليها.

وعلى الرغم من هذه الخلافات بين حرب الخامس عشر من أبريل وما سبقها من حروب، إلا أنه يمكن القول أن الكثير من بذور تلك الحروب وآثارها كانت أسبابا لاندلاع آخر حروب السودان، كما أن تلك البذور والجذور قد استغلت بصورة واسعة في الخطاب الإعلامي لأطراف الحرب المختلفة.

البداية من توريت

يمكن القول إن المواجهات المسلحة المباشرة والكبرى بين أجهزة الدولة السودانية المحتكرة للعنف (جيش، شرطة وغيرها) وبين مجموعة عرقية أو مجموعات عرقية تعود إلى عام 1955، قبل أشهر معدودة من استقلال السودان عن الاستعمار البريطاني في الأول من يناير 1956. ففي الثامن عشر من أغسطس عام 1955 تمردت حامية الجيش السوداني في مدينة توريت (بالولاية الاستوائية في جنوب السودان قبل الانفصال)، وكان ذلك التمرد الشرارة الأولى لحرب الجنوب في نسختها الأولى التي استمرت حتى مارس 1972، عندما وقع ممثلون عن الرئيس السابق جعفر نميري والزعيم الجنوبي الجنرال جوزيف لاقو اتفاق سلام. 

وعلى كل حال، فإن ابرز بنود اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التي انهت التمرد الأول في جنوب السودان، كان منح الجنوب الحق في الحكم الذاتي واحترام جميع الأديان والاعتراف بالخصائص الثقافية لأهل الجنوب.

وبنظرة سريعة إلى هذه النقاط، يمكن القول إن الحكومات السودانية المتعاقبة (الديمقراطية الأولى 1956-1958، حكم الجنرال عبود 1958-1964، الديمقراطية الثانية 1964-1969) قد اضاعت سبعة عشر عاما غالية من عمر السودان، حيث كان بالإمكان الاستجابة إلى هذه المطالب البسيطة والمشروعة، خاصة أن للجنوب بالفعل خصائص مختلفة جدا عن الشمال، من حيث الدين (غالبية مسلمة في الشمال مقابل مسيحيين وأديان أفريقية في الجنوب) ومن حيث اللغة (العربية في الشمال مقابل لغات أفريقية في الجنوب)، وكذلك من حيث الثقافة والعادات والتقاليد.وعلى الرغم من أن اتفاقية أديس أبابا تمكنت من إسكات صوت البنادق لأحد عشر عاما، إلا أن السودانيين كانوا على موعد مع تجدد الحرب مرة أخرى عام 1983.

من نميري إلى الإنقاذ

كان تجدد الحرب هذه المرة مختلفا عن المرة السابقة، فقد شهد شهر سبتمبر من عام 1983 إعلان الرئيس السابق جعفر نميري تطبيق قوانين إسلامية للعقوبات (السرقة وشرب الخمر والزنى)، وتزامن ذلك مع تزايد نفوذ الإسلاميين، المتحالفين جينها مع النميري، في مفاصل السلطة، وعلى رأسهم زعيمهم التاريخي في السودان الدكتور حسن الترابي.

وبإعلان نميري عن تطبيق ما وصفها بقوانين “الشريعة الإسلامية” دخل الصراع العسكري في السودان مرحلة جديدة، حيث أضيف عامل آخر إلى مخاوف الجنوبيين السابقة، وهو الخوف من أن يتحولوا إلى مواطنين من الدرجة الثانية بموجب تلك القوانين، وهو الأمر الذي يجد سندا له في بعض مدارس الفقه الإسلامي.

وبعد هذا التاريخ بست سنوات، وتحديدا في الثلاثين من يونيو 1989، كان السودان على موعد مع تغير نوعي آخر في العلاقة بين الشمال والجنوب، حيث وصل الإسلاميون بقيادة حسن الترابي إلى السلطة عبر انقلاب عسكري على حكومة رئيس الوزراء المنتخب الصادق المهدي.

ومنذ الأشهر الأولى لحكومة الإسلاميين بدا واضحا أن هناك تغيرا كبيرا سيطرأ على الدولة والمجتمع السودانيين، خاصة فيما يتعلق بحرب الجنوب، فبعد أن كانت الأنظمة العسكرية والديمقراطية السودانية السابقة تتعامل مع الحرب باعتبارها صراعا مسلحا بين سلطة مركزية ومتمردين خارجين عليها، تحول الأمر في ظل حكم الرئيس السابق عمر البشير، الذي سمى انقلابه “ثورة الإنقاذ”، إلى حرب جهادية بين مسلمين وكفار.

وكانت الشواهد على هذا التغير كثيرة ومتعددة، لكن كان ابرزها أمرين، الأول هو برنامج تلفزيوني كان يبثه تلفزيون السودان يسمى “ساحات الفداء”، حيث كانت تُروي في هذا البرنامج، وعلى مدى سنوات طويلة، قصصٌ عما وصف بكرامات المجاهدين ومعجزاتهم خلال حرب الجنوب، و”المجاهدون” هو الوصف الذي أطلقه الإسلاميون على منتسبيهم الذين قاتلوا خلال تلك الفترة مع الجيش السوداني. والأمر الثاني هو تأسيس قوات موازية للجيش السوداني باسم “قوات الدفاع الشعبي”، كان قوامها الرئيسي من الإسلاميين، واسند أمر الإشراف عليها، في ذلك الوقت، إلى الكادر الإسلامي المعروف علي كرتي.

لكن المفارقة الغريبة، أنه بعد كل هذه الجرعات “الجهادية” والدينية، فقد انتهى الأمر بقبول الرئيس السابق عمر البشير، واقطاب حكومته من الإسلاميين، لحق تقرير المصير لجنوب السودان، ضمن اتفاقية السلام الشامل الموقعة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2005.

الصراع في دارفور 

لم تسلم أي منطقة في السودان من الحرب الراهنة

وقبل نحو عامين من توقيع اتفاقية السلام الشامل، وتحديدا في ابريل 2003، تمكنت الحركات المسلحة في دارفور من تنفيذ أولى عملياتها الكبرى في الإقليم، حيث استطاعت تدمير أربع طائرات في مطار الفاشر وقتل 32 من القوات الحكومية، بينهم ضابطان، وهي عملية يعتبرها الكثيرون الإنطلاقة الحقيقة للحرب في دارفور.

كان من اللافت، في نظر البعض، أن ينتقل القتال من جنوب السودان إلى إقليم دارفور؛ ذلك إنه إذا كانت الخلافات بين الشمال والجنوب تشمل الدين واللغة والثقافة والعادات، كما ذكرنا من قبل، فإن خلاف الدين واللغة ينتفي بين دارفور وبقية مناطق السودان، بينما تتراجع خلافات الثقافة والعادات إلى حد كبير مقارنة بالجنوب، ويبقي في نهاية المطاف العامل العرقي والقبلي إضافة إلى الشعور بالتنمية غير المتوازنة بين دارفور وبقية انحاء البلاد. 

وتكونت أبرز وأول حركتين مسلحتين في دارفور (حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة)، في غالبيتها، من أفراد القبائل الأفريقية التي تعتبر أنها تعرضت للظلم والتهميش من قبل “النخب الحاكمة” والمركز، حيث تعد مصطلحات المركز والهامش والنخب من الأوصاف المستخدمة بكثافة في خطابات تلك الحركات.

ويرى البعض أنه، بينما تميزت حركة تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد محمد نور (من قبيلة الفور)، بطابع علماني ويساري، بالمقابل تميزت حركة “العدل والمساواة” بطابع إسلامي، بل إن زعيمها السابق ومؤسسها دكتور خليل إبراهيم (من قبيلة الزغاوة) كان أحد “المجاهدين” الذين قاتلوا مع الحكومة السودانية في حرب الجنوب.

في مواجهة ذلك ، لجأت الحكومة السودانية إلى ما عُرف لاحقا بقوات “الجنجويد”، التي يعتقد على نطاق واسع أنها صارت نواة لقوات الدعم السريع، في حربها ضد الحركات الدارفورية المسلحة. لكن السبب في الاعتماد على هذه الميليشيات لمواجهة الحركات المسلحة في دارفور لا يزال محل خلاف بين المراقبين، إذ يرجح البعض أن الجيش السوداني كان قد وصل عام 2003، عند اندلاع الحرب في دارفور، إلى مرحلة من الإنهاك بعد عقدين من القتال في جنوب السودان، بينما يرى آخرون أن الحكومة السودانية حاولت استغلال العداوات التي كانت قائمة فعلا بين القبائل الأفريقية والعربية في دارفور، فبينما ينتمى غالبية مقاتلي الحركات المسلحة إلى قبائل غير عربية، وتحديدا الزغاوة والفور، تتكون قوات الجنجويد، وفيما بعد قوات الدعم السريع، من القبائل العربية في دارفور بالدرجة الأولى، وخاصة قبيلة الرزيقات التي ينتمى لها قائد قوات الدعم السريع (حميدتي).

ويرى بعض المتابعين للشأن الدارفوري أن هذه العداوات بين القبائل العربية والإفريقية في دارفور، تعود في جانب منها، إلى الخلافات بين الرعاة والمزارعين بسبب دخول المواشي إلى المزارع وإتلافها، حيث تمتهن غالبية القبائل الأفريقية الزراعة، بينما النشاط التقليدي للقبائل العربية في دارفور هو الرعي.

جغرافية الحرب

إن هذا السرد التاريخي الذي عرضنا له بإيجاز، يشير إلى أن قضايا الهوية والمظالم الجهوية والتهميش عناصر أساسية في نزاعات السودان منذ ما قبل استقلاله، لكنها عادت بعد اندلاع الحرب الأخيرة لتمثل محورا رئيسيا في خطاباتها السياسية. فقوات الدعم السريع  ترفع دعوى التصدي للنخبة السودانية الحاكمة وتدعو لمحاربة دولة 56، في إشارة إلى عام استقلال السودان، بينما يسمي الجيش السوداني هذه الحرب بـ “معركة الكرامة”، وهو ما يشير ضمنا وعلنا إلى سعي الجانبين لاكتساب شرعية تبرر اندلاع الحرب ومواصلتها. رغم ذلك وجدت هذه الشعارات مناصرين، في ظل خطاب إعلامي ينضح بالعنصرية والكراهية ورفض الآخر.

فعلى سبيل المثال، تتحدث العديد من المنصات المؤيدة للجيش، على وسائل التواصل الاجتماعي، عن أن غالبية عناصر الدعم السريع ليسوا سودانيين، بل من دول غرب أفريقيا وتشير إليهم بوصف “عرب الشتات”، وبالمقابل تتحدث منصات موالية للدعم السريع عن الامتيازات التاريخية التي حصل عليها أبناء مناطق وقبائل بعينها، في الشمال والوسط، عقب استقلال السودان عام 1956.

وفي ظل هذا الاستقطاب المتبادل، تأتي خارطة سيطرة كل طرف على الأراضي السودانية لتشير بوضوح إلى تطابق هذه السيطرة، بصورة كبيرة، مع ما صار يعرف في الإعلام  السوداني بمصطلح “الحواضن” الاجتماعية والقبلية، حيث يتقاسم الطرفان السيطرة على ولاية الخرطوم، بينما يسيطر الجيش على ولايات شمال السودان وشرقه، مقابل سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من ولايتي النيل الأبيض وكردفان وأربع من ولايات دارفور الخمس.

وبصرف النظر عن التغيرات العسكرية التي يمكن أن تقع بين يوم وليلة ومن ستكون له الغلبة في نهاية الأمر، إلا أن حرب الخامس عشر من أبريل قد خلفت بالفعل جراحا غائرة في النسيج الاجتماعي للسودان ولمستقبل وحدته الوطنية، التي كانت تواجه الكثير من التحديات حتى قبل اندلاع هذه الجولة الأخيرة من الحروب السودانية…