الثلاثاء, مارس 10, 2026
الثلاثاء, مارس 10, 2026
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

كيف يعوق الصراع مع إسرائيل ميلاد ديمقراطيات عربية؟

تعددت الأسباب التي أدت إلى غياب الديمقراطية في البلدان العربية منذ استقلالها “الصوري” عن الاستعمار، فمنها ما هو إفراز لثقافة راسخة تصنعها الأيديولوجيات الدينية في حديتها عن “البيعة” و”الأممية” و”استعادة النموذج السياسي التاريخي”، كما تصنعها العلمانية ذات الطابع الشمولي وعلى رأسها الناصرية والبعثية وبعض التوجهات اليسارية التي لا تعطي الحرية وزنًا كبيرًا في فكرها وممارساتها، إلى جانب التقاليد القبلية والعشائرية المتجذرة في العقول والنفوس.

 وتوجد عوامل أخرى تتعلق بقفز العسكريين إلى سدة الحكم في بلدان عربية عدة فور رحيل المستعمر، وغلبة الطابع الشمولي والتسلطي على حركات التحرر، وشيوع التصورات الشعبوية عن “البطل المخلص” على حساب “المؤسسية”، ومنها ما يرتبط بتأخر التعليم أو ضعف كيفه قياسًا إلى كمه، وهو وسيلة مهمة لتبصير الناس بحقوقهم. وهناك شق يتعلق بعدم الدخول إلى فضاء التحديث السياسي الذي يبدأ بوجود عقد اجتماعي بين الشعب والسلطة، وإعلاء دور القانون في هندسة الحياة الاجتماعية.

وجاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي ليشكل عاملًا ثقيل الوزن في تأخر ميلاد الديمقراطية عربيًا، آخذًا اتجاهين يشكلان معا سكينًا يطعن محاولات بناء نظم سياسية ديمقراطية بالبلاد العربية في عنقها، أو منجلًا يجز كل ديمقراطية ناشئة ليمنعها من الاستواء على سوقها، وقد يعيدها إلى نقطة الصفر، أو حتى ما دون ذلك، مثلما رأينا في بلاد عربية عدة عقب إجهاض الثورات والانتفاضات التي اندلعت عام 2011. 

والاتجاه الأول شكله السلوك الإسرائيلي نفسه. ففي ظل عملها الدؤوب والمُحكم على إضعاف النظام الإقليمي العربي عبر التفتيت والتشتيت والإلحاق بالمشروع الغربي، وإسرائيل في قلبه، حاربت إسرائيل التحول الديمقراطي عربيًا، لأن هذا من شأنه أن يُمكّن الشعوب العربية من ناصية القرار، ما يؤثر سلبًا على علاقة الدول العربية بإسرائيل، من منظور أن أغلب هذه الشعوب يناصر القضية الفلسطينية. 

كما خشيت إسرائيل من أن إقامة نظم ديمقراطية في البلاد العربية سيجعل تل أبيب تفقد الصورة التي صنعتها لنفسها بأنها واحة الديمقراطية وسط صحراء من الاستبداد، أو أنها “فيل في غابة”، حسبما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك في معرض تحليله لما وصفه بـ “المحيط الصعب” الذي تعيش إسرائيل في وسطه. 

لهذا رأينا كيف أبدت إسرائيل مخاوفها من الثورات العربية التي نادت بالحرية، وبناء نظم جديدة، وبرز هذا جليًّا مع ثورة يناير المصرية، لأن نجاحها كان من شأنه أن يؤثر على التعاون الأمني الخفي بين القاهرة وتل أبيب، أو يتم تجميد السلام، بما يجبر إسرائيل على إعادة هيكلة جيشها، في العدد والعدة والتدريب، لتضع في حسبانها مواجهة مصر، أسرع مما تصورت وقدرت. وقد عبر عن ذلك الموقف رئيس اركان الجيش الاسرائيلي السابق أشكنازي في تصريح له قبل رحيل الرئيس المصري حسني مبارك بيوم واحد، حين أكد أن الاستقرار في المنطقة العربية أهم لإسرائيل من الديمقراطية.

لا يمكن نسيان المخاوف التي حلت في نفوس الإسرائيليين وقت “الربيع العربي”، ووصف بعضهم انتفاضاته بالمأساة الشديدة، لأنها قد تُحيل الأوضاع إلى ما قبل حرب يونيو 1967، حال وصول قوى معادية لإسرائيل إلى الحكم، خصوصًا من الحركة السياسية الإسلامية، وهنا طرحت تل أبيب فكرة، أشبه بـ “خطة مارشال” لوقف المد الإسلامي، وقدمت نفسها طرفًا يمكن التعاون معه، والوثوق فيه، لتحقيق هذا الغرض.

 فإسرائيل تريد في النهاية نظم حكم غير ديمقراطية حولها، تحتاج إلى تل أبيب في تثيبت وجودها، سواء بالتعاون المباشر أو التقرب إلى الولايات المتحدة، مقابل تحويل القوة العسكرية العربية إلى قوة شرطية هدفها حماية هذه الأنظمة، بالدرجة الأولى، ومسموح لها، من حين إلى آخر، تسويق خطاب داخلي حول العداء لإسرائيل أو مواجهة مخططاتها لدغدغة مشاعر المواطنين.

وهذه الرغبة الإسرائيلية لم تكن بعيدة، على مدار العقود الفائتة، عن ترتيبات القوى الغربية، التي كان يشغلها تحقيق مصالحها، وحماية أمن إسرائيل، ومنع اليسار من الوصول إلى السلطة في الدول العربية أيام الحرب الباردة، وحتى قبل ذلك.

الثورات العربية خلقت أنظمة وطنية لكنها لم تحقق الديمقراطية- المصدر ويكيميديا
الثورات العربية خلقت أنظمة وطنية لكنها لم تحقق الديمقراطية- المصدر ويكيميديا

 وشكلت هذه الأهداف عصب سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ملأت الفراغ في الشرق الأوسط بعد انسحاب بريطانيا، ولذا ساعدت وتحمست لوصول العسكريين إلى الحكم، في وقت كانت فيه المؤشرات تبين أن القوة المؤهلة لوراثة أنظمة الحكم التقليدية في العالم العربي تتوزع بين الإسلاميين واليساريين، وهي السياسة نفسها التي اتبعتها في أمريكا اللاتينية في وجه تمدد اليسار. لهذا لم تُعن واشنطن بمدى ديمقراطية الأنظمة العربية أو ديكتاتوريتها، إنما عنيت بتحقيق هذه الأهداف الثلاثة.

ليس معنى هذا بالطبع أن كل العسكريين الذين وصلوا إلى سدة الحكم كانوا مجرد ذيول وأتباع للمشروع الغربي الذي يدافع عن إسرائيل ويدللها، فبعضهم، وإن جارى الأمريكيين في البداية كنوع من الحيلة حتى يتمكن، فهو سرعان ما ذهب إلى تبني مشروعه الوطني المختلف، المعادي للنزعة الاستعمارية في الغرب، ونظر لوجود إسرائيل باعتبارها وجهًا لهذه النزعة، ولذا يجب مواجهتها. والمثال الظاهر في هذا المضمار هو الرئيس المصري جمال عبد الناصر. لكن الغرب خطط للتخلص ممن خرجوا على الخط الذي رسمه لأنظمة الحكم في العالم العربي، ونجح في ذلك غالبًا، واستعاد النظام الإقليمي العربي ليدور في فلكه مرة أخرى.

أما الاتجاه الثاني فيعود إلى الأنظمة العربية نفسها، إذ اتخذت من الصراع مع إسرائيل ذريعة أو تكأة لتأجيل الديمقراطية تحت لافتات من قبيل: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” و”تحرير فلسطين هو الهدف الأسمى”، وبذا تم إرجاء البحث في مسألة السلطة السياسية، من حيث الفكر والممارسة، أو العلاقات المدنية ـ العسكرية، حتى يتحقق هذا التحرير.

ووجدت هذه الدعوة قبولًا لدى تيارات وفئات وشرائح اجتماعية عربية عدة، أو استخدمت بقوة في قمع كل صوت ينادي بالديمقراطية، أو يربط تغول إسرائيل بديمقراطيتها الداخلية بين اليهود، أو يؤمن بأن هذا التحرير لن يكون إلا بتحرر البلاد العربية أولًا من نخب تتصرف كأنها مستعمر جديد.

لكن ظلت هذه أصوات معزولة في مقابل تلك التي عملت بقوة على تعزيز دور الجيش في الحياة السياسية، تحت ذريعة أن هذا مهم في مراحل الصمود والتصدي والتحدي والصراع والحرب، رغم أن هذه المهمة كان من المفروض أن تؤدي إلى العكس تمامًا، وهو تفرغ الجيوش لمهمتها القتالية، وترك السياسة والاقتصاد للنخب المدنية.

ظل العسكريون طوال الوقت يتحدثون، سرًا وهمسًا وجهرًا، عن ضرورة ألا يتركوا ظهورهم مكشوفة، ولذا لابد أن يكونوا في السلطة، والقرار بأيديهم، فلا يزج بهم أحد في حرب، ولا يقرر طرف نيابة عنهم دفعهم إلى مواجهة مسلحة. وطالما تم استدعاء قضية “الأسلحة الفاسدة” المزعومة، التي أُتهم بها الملك فاروق في حرب 1948 لتبرير وجود الجيش في السلطة حتى وهو في مهمة حرب، مع أن الخبرة البشرية أثبتت صحة المقولة الذهبية للزعيم الفرنسي شارل ديجول: “الحرب أخطر من أن تترك للجنرالات وحدهم”.

واستخدم العسكريون احتمال قيام الحرب ضد إسرائيل في أي وقت، في أمرين: الأول هو الإسهام في منح نظم حكمهم شرعية بدرجة معينة، قائمة على التصدي للعدوان أو تحرير الأرض السليبة أو مناصرة القضية الفلسطينية، بوصفها قضية العرب المركزية. والثاني هو نقل السمت العسكري، في التفكير والتعبير والتدبير، إلى الحياة السياسية، تحت دعاية زاعقة تقول إننا مجتمعات في حالة حرب محتملة، أو عليها أن تواجه مؤامرة دائمة عليها. وانطبق الأمر نفسه بدرجة واضحة على دول تحكمها نخب تقليدية على أساس وراثي.

ظل هذا قائمًا عقودًا من الزمن. وحتى حين ذهبت بعض أنظمة الحكم إلى إبرام اتفاقيات سلام مع إسرائيل، فإنها لم تتخل عن الميزة التي تكتسبها من فكرة التصدي هذه، اتكاء أيضًا على الأطماع الإسرائيلية في العالم العربي، سواء بقيادته اقتصاديًا وتقنيًا وفق منطق شيمون بيريز أو إخضاعه بالقوة العسكرية وفق رغبة بنيامين نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف.

 وهنا يتجدد الحديث في مصر عن أطماع إسرائيل في سيناء، وفي الأردن عن مخاوف من أن يطرد إليها فلسطينيو الضفة الغربية، فيما استمرت حالة سوريا مع احتلال هضبة الجولان. وخارج دول الطوق لا تخلو الأدبيات السياسية من حديث عن شن إسرائيل هجمات عسكرية ضدها، مثلما حدث للمفاعل النووي العراقي 1981 ولمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس 1985، وحروب أخرى خفية، اقتصادية وبيولوجية وثقافية، ضد العالم العربي كله، بما فيه الدول التي تربطها بإسرائيل علاقات جيدة.

وحين يلوح بعض المعارضين العرب مثلا، بأن إسرائيل دولة ديمقراطية لليهود، وأنها ورغم كل القيود التي تفرض هناك حتى في حالة الحرب تظل تعرف التعددية وتداول السلطة واستقلالية القضاء وهو أحد سر قوتها، يرد العسكريون العرب على ذلك دومًا بأن الجنرالات في إسرائيل يصلون إلى سدة الحكم، والجيش هو جوهر ومركز المجتمع والسياسة. وهذه حقيقة لا مراء فيها، كما أن عنصرية إسرائيل ضد الفلسطينيين لا جدال فيها، لكن من يحكم في إسرائيل من الجنرالات يخضع للنظام السياسي القائم، ولا يُخضع هذا النظام لمشيئة شخص أو جهة، وتظل الحالة التي تطرحها طريقة بنيامين نتنياهو، الذي يتصرف كحاكم مستبد، استثنائية إلى الآن.  

في الحقيقة ليس العسكريون العرب فقط هم من يتذرعون بإسرائيل لإرجاء الديمقراطية، فالنموذج الإسرائيلي، الذي هو عبارة عن “دولة دينية” يبدو مغريًا للجماعات السياسية الإٍسلامية، التي تراقب عن كثب كيف ينطلق المشروع الإٍسرائيلي من وعد ديني، وكيف يستشهد المسؤولون في إسرائيل، بمن فيهم العلمانيون، بالتوراة والتلمود في خطابهم السياسي، لتبرر هذه الجماعات تمسكها بأيديولوجيتها التي تربط الدين بالسلطة السياسية، وتسعى إلى تديين الصراع مع إسرائيل.

 وجاءت الحرب على قطاع غزة لتصب في اتجاه عرقلة الديمقراطية عربيًا بسبب إسرائيل، لكن من زاوية أخرى غير مباشرة. إذ رأت الأنظمة العربية كيف تتصرف نظم الحكم الغربية مثل الديكتاتوريات العتيقة حين يكون الاحتجاج موجها ضد مصالح النخبة المهيمنة على المال والقرار السياسي، فتضيق ذرعًا بحرية التعبير، وتتخذ إجراءات رادعة ضد المخالفين، وتحاصر المتظاهرين وتشوههم، وتراقب النشطاء وتتبعهم وتقبض عليهم، وتنتهك الخصوصيات وتجرحها عميقًا، وتلجأ إلى خطاب ديني، مثلما رأينا في حالة أمريكا، لدعم إسرائيل مثلما تفعل أنظمة الحكم الدينية البحتة. 

لكن على الوجه الآخر فإن حرب غزة، في إظهارها الهوة الكبرى بين السلطات السياسية والشعوب بالبلدان العربية في مقاربة القضية الفلسطينية عاطفيًا وذهنيًا، تفتح بابًا آخر للوعي بخطورة ترك القرار العربي في يد أفراد أو مؤسسات أو نخب لا تعمل بالضرورة لصالح الشعوب، إنما يتماهى بعضها مع عكس ذلك، بما فيه التساوق مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة.

لكن تظل رغبة الشعوب هذه، في حاجة إلى من يُذكّر بها، ويعمل لها بمرور الوقت، وإلا ستفقد قوة دفعها تدريجيًا، لاسيما إن أُصيب كثيرون بإحباط حيال التغيير، ورأوا أن قضايا مثل التحرر والديمقراطية لم يحن وقتها بعد، وهنا يعاد طرح إسرائيل كعامل مستمر لتعويق الديمقراطية في الدول العربية.

ليس معنى هذا أن الحرب الدائرة حاليًا ستحدث تغيرًا مفاجئًا في المسار الديمقراطي العربي، ولو حتى في المدى القريب، خاصة أن المقترحات المطروحة لحل القضية الفلسطينية أو تأجيلها أو حتى تصفيتها، يحتاج إلى قوة باطشة في كل بلد عربي على حدة لتمرير هذا بين الشعوب، سواء بالتلاعب أو القمع والقهر. لكن هذا الحدث في تعميقه للوعي والألم في آن، لن يمر دون تأثير في العالم العربي، على غرار ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، حيث كانت مساندة الديمقراطيين للعدوان الإٍسرائيلي على قطاع غزة جزءًا من عقابهم في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، فسقطت مرشحتهم كاميلا هاريس سقوطًا مروعًا، ليس لموقف الأمريكيين من أصل عربي وإسلامي من الحزب الديمقراطي فقط، لكن أيضًا لأن بعض الأمريكيين من أصول أخرى، فزعوا من الجور على الحرية الذي ووجه به المحتجون على “الإبادة الجماعية”، بمن فيهم آلاف من اليهود أنفسهم.

روائي وباحث في علم الاجتماع السياسي ـ مصر