السبت, نوفمبر 29, 2025
السبت, نوفمبر 29, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

أمريكا وإسرائيل… أيهما يحرك الآخر؟

إسرائيل ليست عضواً في الناتو (حلف شمال الأطلسي)، ومع هذا فعلاقتها مع الولايات المتحدة تتجاوز بكثير علاقة واشنطن بدول الحلف، وقد بدأ الارتباط الوثيق بين الدولتين منذ اعتراف الرئيس هاري ترومان بإسرائيل بعد 11 دقيقة فقط من إعلانها عام 1948، لذلك يظل التساؤل الحائر لدى الكثيرين: لماذا تدعم واشنطن إسرائيل بهذه القوة؟ 

وقد تباينت الإجابات كثيراً: 

لو استمعت إلى نعوم تشومسكي أو نورمان فينكلستين، فنحن أمام قوة عظمى تستخدم وكيلها الإقليمي لتحقيق أهدافها الاستراتيجية فى الشرق الأوسط، بالإضافة لمفاهيم القيم المسيحية الصهيونية التي تربى عليها كثير من السياسيين الأمريكيين.  أما إذا قرأت كتاب (اللوبى الإسرائيلي) لجورج ميرشايمر و ستيفان وولت، فستجد أنهما يقولان إن إسرائيل تستخدم جماعات الضغط الصهيونية فى الولايات المتحدة لتشكيل سياستها فى المنطقة والعالم. والحقيقة أن الإجابة لدىّ ربما تكون مزيجاً من الاثنين، مع ترجيح الإجابة الثانية باعتبارها الأكثر تأثيرا. رغم ذلك يتعين القول أن العلاقة بين الدولتين لم تكن أبداً فى خط مستقيم، بما يحتاج رصداً لبعض تحولاتها.

نظرة تاريخية

منذ البداية كان الاعتراف بإسرائيل محل جدل داخل إدارة هارى ترومان (1945-1953)، فقد عارضه أغلب كبار مسؤولي الأمن القومي وعلى رأسهم جنرال جورج مارشال وزير الخارجية وجيمس فوريستال وزير الدفاع، وحذروا ترومان من تعرض المصالح الأمريكية مع الدول العربية للخطر خصوصاً تهديد إمدادات النفط، ودفع هذه الدول لأحضان السوفييت. 

ومع تجاهل ترومان لكل تلك التحذيرات فإنه لا يمكن استبعاد فكرة البعد الانتخابي خاصة أنه كان فى موقف ضعيف أمام منافسه الأبرز توماس ديوى. سوف نلاحظ هنا أيضاً الفجوة بين مواقف المؤسسات البيروقراطية والتكنوقراط من ناحية والسياسيين أصحاب القرار النهائي من ناحية أخرى، وهي فجوة ستستمر ونراها حتى اليوم فى واشنطن. لكن من المهم الإشارة أيضاً إلى أن ترومان كان أكثر ارتباطاً باليهود وتعاطفاً مع قضيتهم بعد الهولوكوست وكان حريصاً على مساعدتهم للهجرة من أوروبا إلى فلسطين حتى إن بعض المؤرخين يرون أن الموقف الأمريكي والتاريخ كله ربما كان سيختلف لو لم يمت الرئيس فرانكلين روزفلت الذي كان أقل حماساً لفكرة الدولة اليهودية وعبر عن مخاوفه من اندلاع العنف والحروب وتهديد المصالح الأمريكية فى المنطقة. 

الاعتراف الأمريكي كانت له أهميته فى قبول الدولة الجديدة عالمياً، لكن لم يصحبه دعم عملي واستمر ترومان فى حظر بيع السلاح للمنطقة بينما كانت فرنسا مصدر إسرائيل الأهم للسلاح فواشنطن فى هذه المرحلة مع بداية الحرب الباردة لم يكن يشغلها شيء أكثر من تحجيم امتداد السوفييت فى أوروبا.

الرؤساء الأمريكيون وبدايات إسرائيل

عندما أعود إلى تاريخ الدور الأمريكي فى المنطقة فإنني أجد الفترة الأولى لحكم دوايت أيزنهاور أكثرها قرباً من العرب. كان أيزنهاور ومعه وزير خارجيته جون فوستر دالاس أكثر اقتناعاً بضرورة احتواء النفوذ السوفييتي فى المنطقة بالابتعاد عن إسرائيل التي لا تمثل لهما قيمة استراتيجية. ومع أول زيارة للمنطقة حرص دالاس على التأكيد لمضيفيه العرب أن واشنطن تحت حكم الجمهوريين لم تعد تتأثر بديون انتخابية وسوف تكون أكثر مراعاة لحقوق العرب، وكانت رسائل الإدارة الجديدة مشابهة لإسرائيل كما يقول المبعوث الأميركي دينيس روس فى كتابه (محكوم عليها بالنجاح) حول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية.

ومع استمرار حظر السلاح لإسرائيل فإن إدارة أيزنهاور عرضت بيع صفقة سلاح لمصر لكن الرئيس جمال عبد الناصر ذهب لصفقة أكبر للأسلحة السوفييتية. رد الفعل داخل الإدارة كان محاولة الوصول إلى سلام فى المنطقة يقلل من احتياج مصر لهذه الأسلحة لكن تلك الجهود فشلت وحمّل أيزنهاور عبد الناصر المسؤولية الأكبر دون إعفاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بن جوريون من اللوم لرفضه تقديم التنازلات المطلوبة. فى هذه الظروف جاء قرار البنك الدولي بسحب تمويل (السد العالي) الذى يُعد واحداً من أكبر الأخطاء الاستراتيجية فى تقدير ويليام بيرنز (مدير وكالة الاستخبارات المركزية الحالي ونائب وزير الخارجية الأسبق) وذلك فى كتابه المهم (المساعدات الاقتصادية والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه مصر 1955-1981)، حيث أعقب ذلك تحول كبير فى سياسة ناصر بالاقتراب أكثر من السوفييت وأعلن تأميم قناة السويس بما أدى (للعدوان الثلاثي) بمشاركة إسرائيل وانجلترا وفرنسا. 

ترومان، بن غوريون. 1951
ترومان، بن غوريون. 1951

وقد حاولت إدارة أيزنهاور إصلاح ذلك الخطأ بموقف قوى تجاه الدول الثلاث ومطلب حاسم بالانسحاب من منطقة قناة السويس وانسحاب إسرائيل من سيناء، وذهبت لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بقرار يطالب الدول الأعضاء بمنع أي مساعدات عسكرية أو مالية أو سياسية لإسرائيل إلى أن تقبل بوقف إطلاق النار وتسحب قواتها إلى خط الهدنة، بل وذكر عدد من مساعديه أنه بحث إمكانية استخدام القوة لدفع القوات الإسرائيلية إلى حدودها السابقة، كما فرض عقوبات مالية كبيرة على الدول الثلاث بما اضطرهم جميعاً لسحب قواتهم. 

في أول لقاء بين الرئيس جون كينيدي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بن جوريون قال له إنه انتُخب بفضل أصوات اليهود فى نيويورك وكان ذلك مؤشراً على عودة الاعتبارات الانتخابية للتأثير على قرارات واشنطن، وكانت صفقة صواريخ هوك للدفاع الجوي لإسرائيل عام 1962 تحولاً كبيراً فى سياسة واشنطن، لكن كينيدي كان يحاول الظهور كمتوازن فى علاقته بالجانبين، فرفع المساعدات الاقتصادية لمصر إلى رقم غير مسبوق يصل إلى خمسمائة مليون دولار من الحاصلات الزراعية.  

أما علاقات ليندون جونسون باللوبي الإسرائيلي في واشنطن فقد كانت وثيقة منذ كان سيناتور عن ولاية تكساس وكانت له جذور دينية تنتسب لقيم يهودية-مسيحية، لذلك كانت قراراته فى الأغلب لصالح إسرائيل بالمخالفة لتوصيات كبار مستشاريه بما يعكس مرة أخرى التباين بين مواقف السياسيين والتكنوقراط.

تمثل ذلك فى تراجع المعارضة القوية، التي أبداها سلفه كينيدي، للبرنامج النووي الإسرائيلي وقبِل جونسون بتأكيدات غامضة أن “إسرائيل لن تكون أول من يستقدم السلاح النووي إلى الشرق الأوسط”، ثم عاد وقرر بيع أسلحة هجومية ودبابات لأول مرة لإسرائيل أعقبتها صفقة طائرات سكاي هوك عام 1966.

ربما ما يبقى من جونسون فى الذاكرة الجمعية للعرب هو دعمه الهائل لإسرائيل فى حرب عام 67. وتشير مذكرات جونسون وكبار المسئولين المحيطين به إلى أنه حاول تفادى اندلاع الحرب حتى لا تشغله عن مشكلته الأكبر (الحرب فى فيتنام)، لكن جهوده جاءت متأخرة ولم تكن رسائل واشنطن واضحة وحاسمة بما فسرته إسرائيل على أنه ضوء أخضر لبدء الحرب وهو ما حدث فى الخامس من يونيو/حزيران. وقد تجاهل جونسون قيام إسرائيل بإغراق سفينة التجسس الأميركية ليبرتي قرب سواحلها ومقتل عشرات الجنود، وقبِل بالتفسير الإسرائيلي أنه خطأ، رغم أن كثيرين يرونه متعمداً بدليل ترقية من شاركوا فى العملية. 

حرب أكتوبر وإدارة نيكسون

كان ريتشارد نيكسون يرى أن الروس هم من خرجوا منتصرين من حرب 67 بازدياد وجودهم ونفوذهم فى المنطقة، وبالتالي دعم قيام وزير الخارجية ويليام روجرز بمبادرة لتسوية الأزمة رغم عدم ثقته فى نجاحها، وكانت رسالته  لرئيسة الوزراء الإسرائيلية  جولدا مائير ، أنه لن يطلب المرونة من إسرائيل إلا فى إطار ضمان كامل لأمنها، ومن هنا زاد الدعم العسكري لإسرائيل بمفهوم (حضن الدب) حيث يتصور أنصار هذه السياسة أنه كلما اقتربت واشنطن من إسرائيل زادت قدرتها على التأثير فى سياساتها والحصول منها على تنازلات، وهو مفهوم لايزال سائداً حتى الآن لدى كثير من السياسيين الأمريكيين رغم ثبوت فشله. 

مع نشوب حرب أكتوبر كانت نظرية نيكسون أن الحرب يجب أن تنتهى بطريقة متوازنة بما يسمح ببدء عملية تفاوضية جادة، أو على الأقل يجب ألا تنتصر إسرائيل بطريقة حاسمة ومهينة للعرب بما يزيد من الوجود الروسى. لكن الأوضاع على الأرض جاءت مخالفة لتوقعات الأمريكيين وكان الخطر أن ينتصر المصريون بطريقة حاسمة، فبدأت واشنطن واحداً من أكبر جسور الإمداد العسكري في التاريخ. كانت النتيجة الأمثل كما أرادها وزير الخارجية هنرى كيسينجر أن يخرج العرب بنتيجة أن الولايات المتحدة وحدها القادرة على حسم وتسوية النزاع وهو ربما ما تحقق بعدها إلى حد بعيد. 

ربما مثل وصول جيمي كارتر إلى البيت الأبيض عام 1977 تحولا في تاريخ الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل، فكارتر  -كما قال عن نفسه- لم يتلق دعماً مالياً من أنصار إسرائيل، بما أعطاه حرية أكبر فى التعامل معها، ونجح بالفعل فى التوصل مع الرئيس أنور السادات ورئيس الوزراء مناحيم بيجين إلى اتفاق كامب دافيد (1978) ثم معاهدة السلام عام 1979. كان كارتر الأكثر صراحة وجرأة فى تعامله مع القضية الفلسطينية، وبعد أن ترك الرئاسة صار داعماً وبقوة للحقوق الفلسطينية وأصدر كتابا بعنوان “فلسطين: السلام وليس الفصل العنصري”. وقد رأيته فى إحدى الندوات يقر بعيب اتفاقية كامب دافيد الذي طرحه ويليام كوانت مساعده في مجلس الأمن القومي أثناء المفاوضات، وهو عدم فرض تجميد كامل للمستوطنات الإسرائيلية.

وقد تناول فى كثير من أحاديثه دور اللوبي الإسرائيلي القوى في واشنطن خاصة جماعة (إيباك)، وقال إنهم لا يسعون لتحقيق السلام، ولكن لحشد أكبر دعم لإسرائيل وإن ذلك يمنع أي مناقشة حقيقية وموضوعية للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة.

كارتر, مناحم بيجن. 1979
كارتر, مناحم بيجن. 1979

انتهاء الحرب الباردة وصراع السرديات 

مع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 وانتهاء الحرب الباردة تراجعت القيمة الاستراتيجية لإسرائيل التي كان يركز عليها مؤيدوها فى واشنطن لتبرير الدعم اللامحدود لها، لذلك بدأت ملامح جديدة لشكل العلاقة ومبررات مختلفة لها وبدأ التركيز على القيم المشتركة للديمقراطية والحريات فى الدولتين لمواجهة الديكتاتوريات العربية. وقد تعرضت تلك السردية لاختبار كبير بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي جعلت البعض يتساءل: لماذا يكرهوننا؟ ولأن الإجابة تشمل اقتراب واشنطن الشديد من إسرائيل على حساب القضايا العربية والإسلامية وحقوق الفلسطينيين، فإن إسرائيل وحلفاءها بدأوا فوراً في التأكيد على ما أطلقوا عليه الوضوح الأخلاقي أو The moral clarity الذي يجعل إسرائيل ضحية “للإرهاب الإسلامي” مثل الولايات المتحدة بما يحتم عليهما العمل معاً لمواجهة قوى التخلف والاستبداد. 

فى تلك المرحلة أصدر الوزير الإسرائيلي ناتان شارانسكى كتاباً هاماً عنوانه The Case for Democracy حول أهمية الديمقراطية والحرية فى مواجهة الطغيان والإرهاب بعيداً عن أي أسباب ترتبط بالاحتلال الإسرائيلي وسياساته تجاه الفلسطينيين. هذا الكتاب كان له تأثير كبير على تشكيل سياسات إدارة جورج بوش الابن بعد هجمات سبتمبر. وقد بلغ اقتناع بوش بما جاء فيه إلى درجة أنه كان يحتفظ بنسخ عديدة منه ويوزعها على ضيوفه. ومع سيطرة داعمي إسرائيل من “المحافظين الجدد” على إدارته خاصة فى فترته الأولى، بدأت واشنطن مغامرات عسكرية خارجية بحجة نشر الحرية والديمقراطية فى أفغانستان ومن بعدها العراق حيث ساد مفهوم إعادة بناء الدول لتكون على الصورة التي تخيلها بوش لا تسمح بنمو وانتشار الإرهاب. ومن هنا يمكن القول إن مواقف واشنطن وسياساتها تجاه المنطقة وإسرائيل كانت ولاتزال انعكاساً، ليس فقط لاعتبارات سياسية واستراتيجية، ولكن أيضاً لصراع السرديات الذى تبدو فيه إسرائيل أكثر تفوقاً حتى الآن على الساحة الأمريكية. 

التركيز على الكونجرس

كما رأينا فإن تأثير (اللوبي) الإسرائيلي ليس ثابتاً ويزيد ويقل حسب شخص وحزب الرئيس فى البيت الأبيض، لذلك حرصت كبرى جماعات الضغط الصهيونية (إيباك) على استمرارية نفوذها من خلال الكونجرس، فالتغيير فيه ليس حاداً ويمكن من خلاله ممارسة الضغط على البيت الأبيض فى حالة تراجعه ولو نسبياً عن تأييد إسرائيل بالطريقة المطلوبة. 

وقد شهد موسم الانتخابات الحالي مثلاً تدخل إيباك بقوة ضد عدد من أعضاء الكونجرس التقدميين الداعمين لحقوق الفلسطينيين وتم إنفاق أكثر من عشرين مليون دولار لمساعدة منافسيْن لكل من جمال بومان و كورى بوش فى الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي وتم بالفعل إقصاؤهما بما وجه رسالة قوية لبقية أعضاء الكونجرس، وإن كانت جهود إيباك فشلت حتى الآن ضد كل من إلهان عمر يمنية الأصل و رشيدة طليب فلسطينية الأصل. 

ويمكن القول إنما يمر به المجتمع الأمريكي خلال السنوات الأخيرة هوالتحول الأكبر أيديولوجياً،  ويعبر عن الانقسامات الحادة المتزايدة في هذا المجتمع . فمع توجه الحزب الجمهوري نحو اليمين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أصبح الحزب تحت هيمنة ما يعرف بالتحالف المسيحي والتيار المحافظ خاصة بين الإنجيليين الذين يدعمون إسرائيل لأسباب عقائدية ويعتبرون انتصارها مقدمة لعودة المسيح. 

على الجانب الآخر شهد الحزب الديمقراطي صعوداً ملحوظاً للتيار الليبرالي التقدمي المعروف بدعمه للأقليات وتعاطفه مع القوى الأضعف فى المجتمع، وانعكس ذلك على رؤية ذلك التيار لإسرائيل ورفضه لما يتعرض له الفلسطينيون من احتلال وتمييز، وقد رأينا الاعتصامات فى الجامعات والمظاهرات الحاشدة تنديداً بالحرب في غزة. هذه التحولات جعلت كاتباً مثل توماس فريدمان يقول إن جو بايدن سيكون آخر رئيس ديموقراطي داعم لإسرائيل بالمفهوم القديم باعتباره امتداداً للمؤسسة التقليدية للحزب. 

فى هذا الإطار يمكن رصد تحولات فى طبيعة ومواقف الجماعات المؤيدة لإسرائيل: 

فإذا نظرنا إلى (إيباك) كبرى جماعات الضغط الصهيونية نجد أنها تعكس التوجهات اليمينية المتزايدة فى إسرائيل وداخل الحزب الجمهوري.

على الجانب المقابل تنشط جماعات صهيونية داعمة لإسرائيل بمفهوم لا يتصادم مع التيار الليبرالي المتصاعد فى الحزب الديموقراطي، نموذج على ذلك جماعة (جي ستريت)، فهم يدافعون عن حق إسرائيل فى الوجود، لكنهم فى الوقت نفسه يدعمون إقامة دولة فلسطينية ويرفضون سياسة الاستيطان فى الأراضي المحتلة. ورغم أن تأثيرهم لايزال محدوداً مقارنة بالإيباك، لكنهم يوفرون غطاء سياسياً لمنتقدي إسرائيل حتى لا يتعرضون لاتهامات جاهزة بمعاداة السامية. 

ومن هنا صار من المهم التمييز بين داعمي إسرائيل في واشنطن، فلا يكفى أن نسمع عبارة: نحن ندعم إسرائيل، فيبقى بعدها السؤال: أي إسرائيل تدعم؟ هل هي إسرائيل الكبرى المهيمنة على المنطقة المستمرة فى سياسة الاحتلال والاستيطان؟ أم إسرائيل المستعدة للتعايش مع محيطها الإقليمي كدولة طبيعية تقبل بحقوق الفلسطينيين؟ هنا سنجد اختلافات كبيرة فى الإجابة بين دعم ودعم، وبين أغلب الجمهوريين والديمقراطيين، وهنا أيضاً سيحتدم الصراع داخل الولايات المتحدة على مدى السنوات القادمة لتشكيل السياسة الأميركية تجاه إسرائيل والمنطقة.