الإثنين, مارس 9, 2026
الإثنين, مارس 9, 2026
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

تحولات قضية فلسطين في 75 عامًا: مواجهة إسرائيل بين السلام والمقاومة؟

لم يبالغ من وصفوا فلسطين بأنها “قضية العرب المركزية”، فعلى مدار ثلاثة أرباع قرن، وهي في عين الأحداث، تنجذب إليها القلوب، وتنتبه العقول، وتُشحذ الهمم، ويتمنى كثيرون أن يشدوا إليها الرحال بأقدامهم، وإن كانت مشاعرهم تفيض نحوها بلا انقطاع. 

إنها القضية التي سطرت جُلُّ حروب العرب المعاصرة، وأغلب نضال البعض منهم، والشطر الأكبر من المؤتمرات والندوات السياسية والفكرية، وهي التي طالما بُنيت في ركابها شرعيات، وكُتمت أفواه تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فتأجل بعض انطلاق نظم حكم إلى الديمقراطية، وتلاعب جالسون على كراسي السلطة بعقول شعوب، وبُثت دعايات ما بين ميل إلي القضية الفلسطينية، ونفور منها، أو تباطؤ في نصرتها إن دعت الضرورة، أو خوف من عواقبها، لكنها كانت في كل هذا مسطرة لقياس الانتماء والولاء، ونقطة تلتف حولها التيارات السياسية والفكرية، وتنخرط في أقوال وأفعال، تراكمت حتى صارت جبلًا عاليًا من التصريحات والتصرفات الصغيرة والكبيرة، بل صارت لدى البعض جزءًا أصيلًا من تاريخهم الشخصي.

منذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948 وكثير من التغيرات الكبرى في عالم يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وما يجاوره من دول لم تستطع الانفكاك من القضية الفلسطينية، خصوصًا إيران وتركيا، مرتبطة بالتحولات التي شهدتها القضية نفسها، بين ثورات، وانتفاضات، ومفاوضات، ونزال مسلح، ومبادرات، واقتراحات، وانطلاق تنظيمات وفصائل وارتفاع شأنها ثم ترنحها، وقيام أجيال تقارب القضية من زوايا متعددة، تختلف في الوسائل، لكنها تتفق، إلى حد كبير، على الغاية الكبرى، وهي تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره. 

ومن يقف الآن عند النقطة الملتهبة، الغارقة في الدم والنار، بفعل انطلاق معركة “طوفان الأقصى” التي قابلتها إسرائيل بمجاز مضاد أسمته “السيوف الحديدية”، ثم يلتفت إلى الخلف، وينظر بعيدًا ليرى بعينين مفتوحتين، وببصيرة حاضرة، أن هذه التحولات تتوزع في اتجاهات عدة، هي:

1 ـ تحول القسط الأكبر للمواجهة من “صراع عربي ـ إسرائيلي” إلى “صراع فلسطيني ـ إسرائيلي”. فمن قبل كانت القضية الفلسطينية أحد الأسباب المهمة لخوض دول الطوق العربية حروبًا أربع هي: حرب 1948 و 1956 و 1967 و 1973. بدأت الحروب بمحاولة تحرير فلسطين، وانتهت عند كل دولة إلى سعيها لتحرير أرضها هي، دون نسيان مساعدة الفلسطينيين، مرة بإمداد المقاومة التي انطلقت عام 1965، إثر قيام حركة فتح، بالسلاح والمال والمؤازرة الإعلامية واستضافة القيادات الفلسطينية في مصر وسوريا ولبنان والأردن وتونس والعراق، ومرات بإطلاق المبادرات في سبيل الحل السياسي، ومن أهمها المبادرة العربية عام 2000، والتي أعلن فيها العرب أن “السلام خيار استراتيجي”، ومرة بتأييد العرب للانتفاضتين الفلسطينيتين اللتين اندلعتا عام 1987 باسم “انتفاضة الحجارة” و2000 باسم “انتفاضة الأقصى”، وتأييد بعضهم لمسار التفاوض العلني الذي انخرط فيه الفلسطينيون في مدريد 1992، والسري في أوسلو الذي انتهى بتوقيع اتفاق مع إسرائيل عام 1993، أدى لقيام سلطة فلسطينية مقيدة، بل سجينة.

وبمرور الوقت تراجع الواجب الذي تشعر به دول عربية عدة حيال القضية الفلسطينية، لاسيما مع اندلاع خلاف أو شقاق فلسطيني ـ فلسطيني، ولم يعد أي منها لديه الرغبة أو حتى القدرة في خوض حرب لصالح الفلسطينيين، بل إن بعض الأنظمة الحاكمة راحت تكتم أصوات شعوبها المنادية بالوقوف إلى جانب فلسطين، وترى أحيانًا أن أي طاقة غضبية موجهة لهذه القضية يمكن أن تتحول بالسهولة إلى رفض للأنظمة نفسها.

هنا أدرك الفلسطينيون جيدًا أنهم هم المعنيون الأصليون بقضيتهم، ورفعوا شعار “لا يحك جلدك مثل ظفرك”، وآمن كثيرون منهم، بعد أن ثبت لهم أن إسرائيل ليست جادة في السلام ولا يمكنها قبول قيام دولة فلسطينية، بأن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد أمامهم. ولأنهم لم يجدوا بين الدول العربية من يوافقهم على هذا المسار ذهبوا ليطلبوا دعم إيران، أو وجدتها الأخيرة فرصة لتمد ذراعها أكثر إلى العالم العربي عبر القضية الفلسطينية، وفي قلبها موضوع القدس، ومركزه “المسجد الأقصى”. وانتقل الفلسطينيون في كفاحهم المسلح من “المولوتوف” إلى “الصواريخ”، ومن “البنادق” إلى القاذفات”، وصنعوا بنية تحتية للفعل المقاوم، ظهر أثرها جليًّا في حرب “طوفان الأقصى”.

ورأينا آثار هذه التحولات إثر اندلاع “طوفان الأقصى”، فقد تُركت غزة وحيدة، ومارست حكومات عربية أقصى درجات القمع لتمنع الشعوب من التعبير عن مواقفها. وحتى الطرف الوحيد الذي انخرط في الحرب وهو “المقاومة اللبنانية” ومعها المقاومة العراقية واليمنية، أطلق على فعله اسم “مساندة غزة”، بعد أن كان يتحدث من قبل عن “وحدة الساحات”. 

2 ـ تأثرت القضية الفلسطينية بالصراعات العربية ـ العربية، فخلافات حول التسوية نشأت حين أبرمت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل عام 1979 أتبعتها الأردن عام 1994، وخلافات أيديولوجية بين قوى قومية راديكالية تواجهت فيه الناصرية مع أنظمة الحكم الخليجية والملكية المحافظة، وبين حزبي البعث في العراق وسوريا، وبين توجهات ليبيا وقت حكم القذافي وغيرها من سائر الدول العربية، ثم وصول الإسلاميين إلى الحكم في السودان عام 1989 وخلافاتهم مع دول عربية عدة، ليأتي بعدها غزو العراق للكويت عام 1990 الذي قاد إلى تصدع الجبهة العربية برمتها، وصعود النزعة “القُطرية” على حساب “القومية”، وأخيرًا الخلاف الحاد بين القوى الإسلامية الفلسطينية والقوى القومية واليسارية التقليدية، الذي أحدث انقسامًا في الصف الفلسطيني، ترك آثارًا غاية في السلبية على موقف أنظمة الحكم، بل الشعوب العربية، من القضية. وأخيرًا جاء الخلاف العربي حول موضوع التطبيع مع إسرائيل، والذي يراه الفلسطينيون أنفسهم إضعافًا لموقفهم، وتراه بعض الدول العربية خطوة لا مبرر لها، بينما يراه المطبعون انحيازًا لمصلحتهم القُطرية.

3 ـ جرت بعض التحولات للتيارات الفكرية العربية حيال القضية الفلسطينية، فالشيوعيون العرب مالوا في البداية لمساندة إسرائيل من منظور “أممي” حين اعتبروها جيبًا اشتراكيًا في الشرق الأوسط، لكنهم لم يلبثوا أن كانوا في مقدمة الصفوف التي تناوئ الصهيونية، وتتعامل مع إسرائيل على أنها رأس حربة للمشروع الاستعماري الغربي بوجهه الرأسمالي السافر. 

وظل التيار الإسلامي يقارب قضية فلسطين من زاوية دينية واسعة، متكئًا في هذا على إعلان إسرائيل نفسها أنها “دولة يهودية” وغلبة النزعة الدينية على رؤيتها للعالم العربي، خاصة لدى التيار اليميني المتطرف، واستدعوا هنا إرثًا دينيًا إسلاميًا في مواجهة الإرث التوارتي تارة، ومواجهة تاريخ حروب الفرنجة في القرون الوسطى التي تسمى “الحروب الصليبية” تارة أخرى، وأخذوا على عاتقهم مسألة الدفاع عن المسجد الأقصى، باعتباره “أولى القبلتين وثالث الحرمين”، ورأى بعضهم أن تحرير فلسطين يبدأ من تحرير الدول العربية، وهو عندهم وصول الإسلاميين إلى الحكم.

أما التيار الليبرالي فتوزع في مقاربته للقضية الفلسطينية بين أولئك الذين يرون الحل قائمًا في قيام الديمقراطية في البلاد العربية أولًا، ثم في صفوف الفلسطينيين ثانيًا، لتكون الشعوب هي صاحبة القرار حيال فلسطين، وبين من يدركون أن الحل لا يمكن أن يأتي إلا في ركاب الحوار مع الغرب باعتباره هو من أقام دولة إسرائيل ويدافع عنها. وهناك في هذا التيار من يطرح دولة علمانية ديمقراطية واحدة تشمل الإسرائيليين والفلسطينيين، وتقوم على أساس “مبدأ المواطنة”. لكن أفرادًا من هذا التيار يغضبون كغيرهم من اليساريين والإسلاميين للنزعة العدوانية الإسرائيلية، أو إصرار تل أبيب على ممارسة الفصل العنصري ضد الفلسطينيين. 

4 ـ ظل التيار الرئيسي في العالم العربي، والذي ينخرط فيه عموم الناس،  قابضًا على انشغاله بالقضية الفلسطينية، ينفعل بها وقت الحروب، التي تندلع من حين إلى آخر، ويطالب دومًا بعدم التخلي عنها، ويتذكر الأذى الذي لحق به وقت الحروب ضد إسرائيل. لكن من بين صفوفه، وهؤلاء ليسوا قلة، من يخشى  دفع الثمن إن انخرطت بلدانهم في حروب، دون أن يضنوا بإمكانية المساعدة التي لا تجلب الألم الشديد. 

وراهنت إسرائيل طويلًا على إمكانية استمالة الشعوب العربية نحوها، لتقبل وجودها، أو لا تفزع إن جار الإسرائيليون على الفلسطينيين، أو تمحو من ذاكرتها أيام المواجهات الدامية، لكن هذا الرهان ظل يعاني من خسارة تلو أخرى. وقد رأينا هذا ماثلًا في تبني الجيل العربي الجديد، أكثر حتى من أجيال سابقة، لموضوع مقاطعة الشركات التي تساند إسرائيل، أو مواصلة التعبير عن الرأي المساند للفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن استطاع منهم النزول إلى الشارع احتجاجًا لم يتردد في هذا.

5 ـ استطاع الفلسطينيون بكفاحهم أن يُعيدوا قضيتهم إلى الواجهة، وينقلوها من “المحلية” إلى “العالمية”، في وقت كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد لوأدها إلى الأبد، حين رفع خريطة في قلب الأمم المتحدة ليس فيها أي ذكر للضفة الغربية وقطاع غزة. 

من قبل كانت إسرائيل قد نجحت في إقناع الغرب خصوصًا بأن الفلسطينيين إرهابيون، مستغلة في هذا عملياتهم الفدائية والاستشهادية التي نفذوها من حين إلى آخر، وأنهم طرف لا يريد السلام، إنما إبادة اليهود، وإزالة دولتهم. واستعانت إسرائيل في صناعة هذه الصورة الكريهة للفلسطينيين في الذهنية والمخيلة الغربية، مغلفة إياها بالصورة النمطية السائدة عن العرب في الأدبيات الاستشراقية الغربية، واستعانت في هذا بمؤسسات ومنابر إعلامية وأكاديميين كثر موزعين على معارف شتى، لكن ما ترتب على العدوان المفرط على قطاع غزة، والذي وصل إلى درجة “الإبادة الجماعية”، أعاد صياغة صورة الفلسطينيين في الغرب، لاسيما في ظل غلبة وسائل التواصل الاجتماعي، ليراهم الناس شعبًا مظلومًا ومضطهدًا، يكافح في سبيل نيل حريته واستقلاله.

وقد خلق “الانفعال” الغربي بالقضية الفلسطينية، الذي انداح من منابر الإعلام والجامعات إلى الشوارع، فرصة سانحة أمام مناصريها لتحويله إلى “أفعال” لها صفة الرسوخ والديمومة، خاصة مع اتجاه الشباب الفلسطيني نفسه من الحركة إلى الحراك، أي من الاقتصار على التنظيمات ذات الهياكل المحددة إلى الفعل الحر المنظم، الذي لا يكف عن إبداع طرق لنصرة القضية.

إن هذه التحولات المهمة تتطلب بالقطع التفكير في إدارة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مستقبلًا بطريقة أجدى، تقلل الخسائر، وتعظم المكاسب، بعد الاستفادة من كل التجارب المؤلمة التي مر بها على مدار خمسة وسبعين عامًا، توالت فيها الانكسارات والانتصارات، وأهمها أن القضية بقيت حية في ضمير الأجيال الجديدة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو كيف تتحقق هذه الجدوى؟ وفي ظني أن العنصر الأول في الإجابة ينصرف إلى ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني، فلا السلطة التي تقاسمت الوظائف مع الاحتلال أحيانًا، مضطرة أو راغبة، ولا تنظيمات المقاومة التي حملت السلاح، بوسع أي منهما بمفردها أن تحرز تقدمًا على طريق تقرير المصير، دون سياسة ذكية تجعل الدماء الزكية التي تُراق في كل مكان لا تذهب سدى. وإذا كنا هنا نتحدث عن التحولات فإن التحول الواجب الآن هو وحدة الصف الفلسطيني.  

ويأتي العنصر الثاني ليتمثل في إطلاق هجوم سياسي ودبلوماسي يقلب الطاولة على إسرائيل بطرح مغاير، يتفهمه بعض العالم، ويأخذ طريقه مع الوقت إلى التعزز، ألا وهو الذهاب إلى مبادرة “الدولة الواحدة” طالما أن إسرائيل ليست جادة في “حل الدولتين”، بل إن النخبة السياسية الإسرائيلية على اختلاف توجهاتها لا تتصور حدوث هذا في يوم من الأيام، إنما هناك من يطمع في إنهاء الوجود الفلسطيني كله، بتهجير أهل الضفة إلى الأردن، وأهل غزة إلى مصر، وفلسطيني الداخل إلى لبنان.

تحولات قضية فلسطين في 75 عامًا: مواجهة إسرائيل بين السلام والمقاومة؟
تحولات قضية فلسطين في 75 عامًا: مواجهة إسرائيل بين السلام والمقاومة؟

وهذا الطرح يتطلب بالطبع تجميعًا لجهود المؤسسات والهيئات العربية والأفراد، من السياسيين والمفكرين المؤمنين بقضية الشعب الفلسطيني والعاملين على نصرتها، وقد يبدأ بأن يُعطي العرب، عبر جامعتهم، أو بأي طريق آخر، مهلة محددة لإسرائيل كي تترك الفلسطينيين يقيمون دولتهم في الضفة وغزة، بإكمال ما ورد في اتفاقية أوسلو حول قضايا الحل النهائي المرتبطة بالحدود والسيادة والمياه ووضع القدس، فإن انقضت المدة دون تحقيق ذلك، يتبنى العرب خيار “الدولة الواحدة” ويطرحونه في المحافل الدولية، ويطلبون تأييده من العالم بأسره، ثم لا ينفكون عن مساعدة الفلسطينيين، أيًا كان وضعهم تحت الاحتلال.

إن بذل الجهد، على قدر الاستطاعة، وتنسيق موقف رسمي وشعبي عربي أكثر فاعلية في الأخذ بيد الفلسطينيين بات فريضة سياسية وأخلاقية واجبة، وهنا من الضروري جذب اليهود المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني، والرافضين لقيام دولة إسرائيل، على أساس ديني، أو لممارسة هذه الدولة القتل باسم الدين اليهودي. فرغم قلة عدد هؤلاء، وحصارهم ونبذهم من قبل تل أبيب، إلا أن دورهم مهم في صناعة سردية مناصرة لحقوق الشعب الفلسطيني، ومواجهة السردية الإسرائيلية ذات الطابع الديني بالأساس.

وهناك عنصر ثالث يقوم على الوعي بالغايات التي تعمل لها الحكومات الإسرائيلية المتتابعة ، ويتم إعلانها مرة، وإخفاؤها مرات، ألا وهي “إسرائيل الكبرى”، التي تمتد من النيل إلى الفرات، إن لم يكن بالاحتلال المباشر، فهذا غاية في الصعوبة، فهو بتعظيم نفوذ إسرائيل كقائد للشرق الأوسط، مثلما سبق أن طرح شيمون بيريز، ومن بعده نتنياهو.

 فهذا المشروع طالما كان قائمًا، حتى ولو على الورق فسيترتب عليه استمرار إيذاء إسرائيل لمحيطها العربي، بغية إضعافه، بوسائل اقتصادية وثقافية وعسكرية وأمنية، وإجباره في النهاية على التسليم بقيادة إسرائيل للمنطقة، والتي لا تعدو أن تكون، حسب رؤية نخب عربية عدة، تمثيل بالوكالة للهيمنة الغربية على الشرق الأوسط برمته.

حيال ما يتحدث به سياسيون ومثقفون عن الغريزة العدوانية الإسرائيلية، التي لا تقيم وزنًا لبشر أو حجر، من الطبيعي أن يكون هناك الذين يطلبون التعامل مع المقاومة، بجميع فصائلها، على أنها “مفرزة أمامية” أو “خط دفاع” متقدم عن الأمن القومي العربي، لاسيما أن مفهوم “العدو” في العقيدة القتالية الإسرائيلية لم يتغير، حتى حيال الدول العربية التي أبرمت اتفاقيات سلام مع تل أبيب، ويعزز هذا التصور برؤية من يقولون إن إسرائيل لا تستطيع العيش بلا حرب، فالجيش هو جوهر الدولة ومركزها، والتماسك الاجتماعي يتطلب وجود عدو دائم على ما يبدو، والوعود المغموسة في أساطير وتصورات دينية، وأطماع دنيوية، ووظائف سياسية، مربوطة على الأرجح باندلاع النار، وسفك الدماء.

إن أخطر تحول يسري في أوصال المجتمعات العربية الآن، ولدى الجيل الجديد ، هو النظر إلى “السلام” الذي طالما ارتفعت الأصوات العربية بطلبه شاملًا وعادلًا، على أنه قد صار “ألعوبة” في يد إسرائيل، وأن الذين يرون الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتقرير مصير الفلسطينيين، سيجدون دوما من يجذبونهم إلى هذا المسار، حتى لو كان ثمن هذا باهظًا جداً، طالما أنهم يرفعون أصواتهم قائلين إن ما يلوح في نهاية طريق التسوية السلمية مجرد سراب.