الثلاثاء, مارس 10, 2026
الثلاثاء, مارس 10, 2026
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

أن تكون فلسطينيا في مناطق الـ 48: مطلوب التخلي عن الأرض والهوية مقابل منافع يومية

تحدثني جدتي ” أمينة ” في طريق عودتنا من مستشفى “رمبام” في حيفا، وأثناء مرورنا في أحد شوارع المدينة: ” هاي كانت دكانة أبوي، هون تحت هذا الجامع”.  تكمل جدتي الحديث ببرود، وكأنها قد اعتادت هي الأخرى على منظومة القهر والظلم ” من قد ما رموا قنابل عالحارة حملنا حالنا وهجينا، مشينا، مشينا، مشينا لوصلنا للبنان وكملنا على حمص بسوريا، هناك قعدنا بمخيم لاجئين، كان الواحد يشكر ربه على لقمة الأكل، بعدها الله سترنا وقدرنا نرجع، مشينا بالجبال بالليالي ورجعنا على “عبلين”، هناك سكنا بس ملناش إشي هناك، راحت بيوتنا واراضينا وكلشي معنا “.

 قصة عائلة جدتي وما جرى لها في النكبة ليست القصة الوحيدة، فتمكٌن عائلتي من العودة إلى “فلسطين” خلسة بعد التهجير يتشابه مع قصص الآلاف من أهالينا ممن هٌجروا عام النكبة وعادوا ليروا قراهم المدمرة وأملاكهم التي سلبها “القادمون” الجدد على مرمى حجر منهم، بينما كان عليهم وهم أهل البلاد، أن يعيشوا متخفين، حابسين أنفاسهم خوفا من شبح “الترانسفير” مرة أخرى كمئات الآلاف الذين طُردوا دون رجعة حتى الآن. 

 أما أنا “نداء نصار”، التي تقترب من الأربعين، فقد ولدت وكبرت في قرية “عرابة” في الجليل بفلسطين التاريخية. انا الأكبر بين ثلاثة إخوة ضمن عائلة صغيرة مكونة من خمسة أفراد. وأنا أنتمي إلى الجيل الذي ولد داخل الواقع الإسرائيلي، لم أشهد النكبة، على الأقل كما شهدتها جدتي. لكن لـ “حيفا”، هذه المدينة التي أسكنها منذ عشر سنوات، لضرورات العمل، معنى أخر. 

في موطن الأجداد حيفا، مطلوب مني أن أقنع بوظيفة مضمونة، وراتب جيد، بالمقاهي والمجمعات التجارية الفارهة التي يمكنني ارتيادها. فهل يكفي هذا كثمن لنسيان ما ضاع؟   أنا لا أرى في حيفا سوى البيوت المهجرة من سكانها العرب، ومن بينها دكانة أهل جدتي وسأظل شاهدة على تحول الأحياء العربية في حيفا الى أحياء فقر هامشية في “مدينة التعايش “التي كانت تعج قبل النكبة بسكانها وأهلها ومثقفيها من العرب. إن إدراكا كهذا يفرض على جيلي معنى آخر للمدينة، ومعنى آخر للحياة وجودتها، ومعنى آخر لوجودك ودورك كفرد في هذا المجتمع.  هل هذا هو تشكل الهوية؟ أي مجموع القصص والتجارب والمعاني والأحزان واللغة والمكان الذي يضم مجموعة من الناس ويحولهم الى شعب له ماض وحاضر ومستقبل، نعم إنها المسميات الكبيرة متجسدة في مشاعرنا وتفاصيلنا اليومية. 

لكن هذه الأشياء هي ذاتها التي تريد إسرائيل أن تسلبها منا، وأن تقنعنا بأنها غير موجودة أصلا، وأنها إن وجدت ليست مهمة. في مناهج التعليم الحكومية التي يتعين على الأطفال العرب في الداخل الفلسطيني دراستها، لم نكن نحن وآباؤنا وأجدادنا موجودين كفلسطينيين على طول هذه البلاد وعرضها، ولا حق لنا فيها سوى حق المقيم الغريب، والأسوأ من كل هذا، أن يصبح المطلوب منا مقايضة كل هذه المشاعر والأفكار والأحزان، أي مجموع الهوية، بفتات من الحقوق غير المستوفاة. نعم، أن تكون فلسطينيا في مناطق الـ 48 يعني أن تصارع يوميا على معنى وجودك، على قصتك، على حقك في أن يكون لك رواية لما حدث وتاريخ، على حقك أن تحلم، وعلى رغبتك بألا تكون مجرد آلة، مطلوب منها أن تصارع فقط، لكي تأكل وتشرب وتنام.

إن أكثر ما يثير غضبي في قصة جدتي وأنا أطالع تفاصيلها الواقعية الآن، هو كيف تحولت هذه البيوت القديمة في الشوارع المركزية في حيفا الى مقاهٍ يملكها إسرائيليون أوروبيون، يدعون انتماءهم لليسار وحبهم للعرب، لنا أقصد، بعدما أخذوا بيوتنا. وحولوا بعضها إلى محلات باذخة جدا لا يرتادها سوى القادرين. وكلما شاهدت هذه المتاجر ومن ضمنها دكان أهل جدتي، فاض بي الخيال الساذج: انا الفتاة المستقلة في حيفا التي عليها أن تكدح كثيرا لتعيش بمستوى متوسط وتدفع إيجار بيت في هذه البلاد ذات الأسعار الباهظة، ماذا لو كان هذا البيت لي، أي لو كان ملكا لعائلتي ولي حتى هذه اللحظة؟ كيف كانت ستسير حياتي في هذا الشارع المركزيّ الفاره في حيفا؟ 

 إلحاح الرواية الرسمية الإسرائيلية عنّا، لا يتوقف عند السعي لإقناعنا بالرضى عن حصولنا على وظيفة ودخل وطعام فحسب، لكنه يتصاعد لإقناعنا بأننا موضع حسد من فلسطينيين آخرين، وأن ظروف معيشتنا أفضل من إخواننا الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وغزة، وأنه يتوجب علينا ان نكون شاكرين لإسرائيل على هذه الظروف والنعم والخيرات. وقتها تنتابني فرضية أخرى، فأتساءل، لو أحضرنا ميزانا ووضعنا ما سٌلب منا في كفة و”النعم” التي يجب أن نشكر إسرائيل عليها في الكفة الاخرى، أي كفة سترجح؟ عندها أتذكر أن هذه اللعبة غير مسموح بها أيضا، فالألعاب المسموح بها في هذا العالم يحددها القوي، كما يحدد أيضا أحجار النرد التي يتعين استخدامها ومن أين تبدأ. يحدد القوي نقطة الصفر في اللعبة، ويرفض العودة بالتاريخ إلى نقطة ما قبل الصفر الذي اختاره، الى بيت جدتي مثلا وإيجار السكن الباهظ في حيفا.

إسرائيل الوجه الأصلي  

إن تداعيات ما تتعرض له غزة والضفة الغربية في أعقاب السابع من أكتوبر/ تشرين الثاني تمتد آثاره إلى المجتمع الفلسطيني في أراضي الـ 48 متمثلة في حملات ترهيب وتخويف.  أعاد الرد الإسرائيلي على تلك الهجمات الوجه الأصلي للدولة وآلتها القمعية التي يعرفها الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم، لكن إسرائيل لم تكن قد تغيرت قبلها، كانت هناك فقط ثمة هوامش ومجالات مناورة لكنها ضاقت أو محيت خلال الحرب. يعرف الفلسطينيون هذا “الوجه الأصلي” من سردية النكبة ومن تكرار مشاهد الإبادة في غزة. قبل الحرب، ربما كانت تسمح إسرائيل بمظاهرات ووقفات هنا أو هناك، وربما اعتقلت بعض المشاركين أو كلهم. لكن بعد الحرب صار المنع حتمياً، اذ أصبحت المظاهرات تجرم قبل أن تحصل في دولة تدعي الديمقراطية. إن ما أعلنه المدير العام للشرطة الإسرائيلية كوبي شفتاي في أول أسبوع من الحرب، ردا على محاولات التحرك الشعبي في الداخل الفلسطيني بالتظاهر ضد حرب الإبادة على غزة، يعبر عن تلك الذهنية التي ترى بها إسرائيل الفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم. قال شفتاي موجها كلامه إلى المجتمع العربي ” إذا كان العرب في الداخل يريدون التضامن مع سكان غزة، سنمكنهم من ذلك ونوفر لهم باصات تنقلهم إلى هناك ليتضامنوا مع غزة للأبد”. لقد أصبح ممكنا الآن بفضل حملة القمع أن يُدان مواطن عربي في إسرائيل بـ “قراءة” دورية أو الإعجاب بمنشور على السوشيال ميديا لأن المؤسسة الأمنية تعتبر ذلك المنشور مؤيدا للعنف ضمن قوانين مكافحة الإرهاب قيد التعديل في اسرائيل. 

لم تقتصر تداعيات الحرب على المؤسسة الإسرائيلية الرسمية فحسب، بل امتدت لتطال المجتمع الإسرائيلي بمختلف أطيافه، انفجرت فقاعة ما يسمي باليسار الليبرالي الصهيوني، الذي طالما بِيًض صهيونيته بادعاء مناهضة الاحتلال، وهو في الأغلب مناهض لما يراه غير مفيد بنظره للمشروع الصهيوني لا أكثر.  تماهى هذا اليسار مع أهداف ومجريات حرب الإبادة على غزة، روج للقتل والتهجير ولتكميم افواه كل من يعبر عن مواقفه وينادي بغير ذلك، وأصبحوا كما غيرهم جزءا من الممارسة العسكرية الأمنية، أما من بقي على موقفه فهم مجموعة محدودة من اليهود “اللاصهيونيين” الذين يمارسون الفعل الاحتجاجي الصريح بصفتهم الشخصية. هذا الاصطدام المباشر معنا كفلسطينيين، لم يكن ما عهدناه سابقا، إذ اقتصر في السابق، في “هبة الكرامة” في مايو/أيار 2021 مثلاً، على مجموعات صهيونية استيطانية متطرفة تتركز فيما يسمى المدن “المختلطة” كاللد وعكا وحيفا ويافا، إذ هاجمت مجموعات “النواة التوراتية” التي تسعى لتكثيف حركة الاستيطان في المدن المختلطة للقضاء على الوجود العربي، الأحياء العربية في هذه المدن واعتدت على أهلها. 

في هذه الحرب تقلصت الفروق حتى كادت تتلاشى، فأصبحت المحاكم والجامعات مجندة في الدور العدائيّ نفسه. إذ تم تجميد وطرد مئات الشباب والشابات الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية من دراستهم وتقديمهم للجان استماع، فقط لأن زملاءهم اليهود وشوا بهم أو أرسلوا صورا إلى إدارة الجامعات والأجهزة الأمنية من منشوراتهم على مواقع التواصل المناهضة للحرب ولقتل الأطفال في غزة. هكذا سقطت الأقنعة، ليتحول كل المجتمع المدني اليهودي إلى جندي في الجيش الإسرائيلي، فجامعة حيفا مثلا، التي تباهي بكونها صرحا ًللتعددية، قامت بتسليم ملفات طالبات عربيات للشرطة الإسرائيلية التي اعتقلتهن بدورها في ساعات الليل المتأخرة.

لم تسلم أماكن العمل من هذه الهجمة، فإذا كان من الممكن تجنب الخوض في حوارات سياسية فائضة وغير مجدية مع المشغلين والزملاء الإسرائيليين في العمل، لم يعد ذلك ممكنا بعد الحرب، فالنأي بالنفس والصمت لم يعودا مقبولين في العرف الإسرائيلي العنصريّ. الجديد هنا، هو أنك أصبحت مُحاسبا على صمتك لا على ما تقوله فحسب، ومٌطالب بترديد الرواية الإسرائيلية لما حدث وسيحدث، والتسليم بعقلية الإبادة. هكذا قد يطلب من الفلسطيني في مكان عمله أن يشارك في دعم توزيع قروض غذاء لجنود جيش الاحتلال أو أن يشارك في صور التضامن مع الرهائن وقد لا يعفيك التغيب عن العمل من مثل هذه المراسيم. 

علاقات القوة الشرسة

يخضع المجتمع الفلسطيني في الداخل ومنذ قيام إسرائيل إلى علاقات قوة وهيمنة تهدف إلى سحقه وتفكيكه ذاتيا مع مرور الوقت. فنحو 50% من العائلات العربية في الداخل الفلسطيني تقبع تحت خط الفقر، ناهيك عن تفشي العنف والجريمة المتصاعدة وسط تجاهل مقصود من أجهزة الدولة الإسرائيلية، حتى خلصنا الى واقع لا حصانة فيه لأحد من الطلقات النارية العبثية المترامية في كل شارع. ولو نظرنا الى شريحة الشباب العرب في اسرائيل على سبيل المثال، لا ينتمي 40% من الشباب بين الأجيال 18-24 لأية إطار تعليمي أو إطار عمل، وهم بالغالب جزء من ضحايا العنف والجريمة التي تستهدف المجتمع العربي بمعدل 30 مرة نظير ما يتعرض له المجتمع اليهودي ما بين مصاب بالطلقات النارية وقتيل. وإذا نظرنا الى قطاع التعليم مثلا، تبلغ الميزانية المخصصة للطالب اليهودي في المدارس الاسرائيلية ثلاثة أضعاف تلك المخصصة للطالب العربي، وهي كلها أمثلة تجسد واقع التمييز الحاد في كافة مجالات الحياة اليومية تجاهنا كفلسطينيين عرب حاملين للمواطنة الاسرائيلية.

إلا أن الأمر لا يقتصر على ذلك، فقضيتنا ليست متعلقة بالميزانيات والفرص والبنى التحتية التي قد تحسّنها حكومة أو وزارة دون أخرى بناء على معادلة الربح والخسارة في المرحلة المحددة، ولا يدور الحديث عن تمييز وعنصرية بالشكل المألوف تجاه الأقليات (لأننا لسنا أقلية تقليدية في سياق دولة، بل مركب من شعب أكبر يسعى لتحقيق مصيره) في أي مكان بالعالم، بل عن علاقات قوة غير متوازنة، أعمق وأشرس، عن عدم  توازن لا يمكن تسويته او تصفيره طالما صممت هذه الدولة أن تعرف نفسها على أنها يهودية، فهي بالوقت ذاته تقول لي ولنا جميعنا، لا مكان لكم هنا، فمقدرات ومستقبل وحرص هذه الدولة مخصص لمجموعة حصرية ومغلقة، لستم جزء منها. وبهذا ندرك، أن لا إمكانية لتحقيق أية مساواة جوهرية، دون ان تكون تلك الأخيرة مرتبطة بحق تقرير المصير وتحرر الشعب الفلسطيني بالكامل، ومن ضمنه- نحن كفلسطينيون في مناطق ال 48.