الإثنين, مارس 9, 2026
الإثنين, مارس 9, 2026
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

عام على “طوفان الأقصى”: عن الحياة وسط المذابح والقصف والجوع في غزة

صباح سبت كان يٌفترض أن يكون عاديا جدا بمقاييس قطاع غزة، لكن أصوات القنابل والانفجارات كانت قريبة ومدوية على نحو غير عادي لتفزعني من نومي متخيلة أنني في كابوس، فخرجت إلى أهلي أصرخ “القيامة قامت”.

جريت إلى الشارع، نظرت إلى السماء، كانت مليئة برشقات صواريخ تطير فوق رأسي، وتكبيرات تنطلق من المساجد وصراخ مواطنين مفزوعين يصم الآفاق، فعدت مسرعة إلى داخل المنزل خوفا من شظايا المقذوفات. في المنزل، فتحت هاتفي لأعرف ما الذي يحدث، هل هو اغتيال قيادي بارز من حماس أو الجهاد الإسلامي، أم أن إسرائيل أعلنت الحرب علينا؟  في تلك الساعات كان كل شيء لا يزال ضبابيا، وكثرت التساؤلات لدى أهالي غزة، حتى أطل علينا قيادي حماس “محمد الضيف” ليعلن بدء عملية “طوفان الأقصى”. عرفنا أن عناصر المقاومة اقتحموا الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة تحت غطاء من رشقات صاروخية مكثفة، وقتلوا وأسروا أكثر من 1400 إسرائيلي، حتى ظن أهل القطاع أن الهجوم بداية لتحرير أرض فلسطين. عدد كبير من سكان القطاع توجهوا إلى غلاف غزة والتقطوا صورا لهم على الدبابات الإسرائيلية ولم يعتقلوا إسرائيليين أو يقتلوهم، لم يقوموا بأي شيء، لكن ما حدث ذلك اليوم كان مبرر إسرائيل لقتل عشرات الآلاف من المدنيين. 

بعد ذلك اليوم أُصبت بصدمة نفسية، وامتنعت عن الطعام إلا القليل الذي يبقيني على قيد الحياة ولمدة أسبوع، أدركت بعدها أن حياتنا في قطاع غزة قد انتهت. 

توقعات وانتظار الرد الإسرائيلي على العملية كان بالنسبة لنا نوعا من العذاب، بقينا لساعات نتخيل ما سيحدث، كنا نقول لأنفسنا “حسرة راح يمسحونا من الوجود”.

لم يتأخر الرد الإسرائيلي كثيرا، فبعد ساعات، بدأت الطائرات الحربية تقصف أحياء ومربعات سكنية بشكل كلي، كانت الضربات الجوية عبارة عن أحزمة نارية، وهي عبارة عن سلسلة صواريخ تحمل أطناناً من المتفجرات تُلقى في وقت واحد وعلى منطقة واحدة مخلفةً دماراً كبيراً وموقعةً آلاف الشهداء والجرحى. في الشهور الأولى من الحرب على غزة، كنا نسجل يومياً أكثر من 1000 شهيد ومئات الجرحى.

مع تكثيف الضربات العسكرية بدأ الاحتلال تطبيق العقاب الجماعي الكامل على سكان القطاع في كل ما يتعلق بأساسيات الحياة اليومية، فقطع عنا جميع الخدمات، ماء وكهرباء واتصالات وانترنت، وفرض علينا حصاراً كلياً، ومنع إدخال الطعام والدواء بعد إغلاق كامل للمعابر.

واستمر هذا الحال في القصف الجوي المكثف والتدمير العشوائي للمباني وقتل المدنيين، لما يقارب ثلاثة أسابيع، كنا نأمل خلالها أن يكتفي بهذا القدر من القتل والدمار، لنتفاجأ بعد ذلك بمكالمات هاتفية ورسائل نصية تصل لهواتفنا الخلوية من أرقام تظهر على شاشة هواتفنا باسم “جيش الدفاع الإسرائيلي”، رغم أن الاتصالات كانت في تلك الفترة مقطوعة بالكامل، كما قاموا بإلقاء منشورات ورقية من الطائرات طالبونا فيها بإخلاء شمال قطاع غزة والتوجه إلى وسط وجنوب القطاع بدعوى الحفاظ على أرواحنا لأنها مناطق آمنة.

هرع الناس عبر شارع صلاح الدين الممتد من اقصى شمال حتى اقصى جنوب القطاع، متجهين إلى الجنوب بناء على خديعة الجيش الإسرائيلي لهم وإيهامهم بانها مناطق آمنة، ونزح ما يقارب مليون شخص، لكن سرعان ما قام الجيش الإسرائيلي بعمليات عسكرية جوية وبرية فيها، لا تقل شدة عما فعلوه في شمال القطاع، وأصبحت غزة كلها مناطق قتال ولا مكاناً آمناً فيه.

وفي فجر السابع والعشرين من أكتوبر استيقظنا على اصوات تحرك للآليات الإسرائيلية وأصوات قذائفها المدفعية قادمة من شواطئ زيكيم في بحر شمال القطاع إلى داخل القطاع، وأعلن الجيش الإسرائيلي حينها بدء التوغل البري.

بدأت الدبابات تتقدم وقبيل كل مكان تصل إليه تقوم الطائرات الإسرائيلية بنسف وتدمير كافة المباني السكنية خشية وجود مقاومين فيها إضافة لهدف الاحتلال الإسرائيلي الاساسي بتدمير القطاع وتدمير البنية التحتية فيه.

ازدادت تحذيرات الجيش لسكان الشمال بالإخلاء وازدادت استجابة المواطنين لأوامر النزوح حتى وصل عدد النازحين إلى مليون ونصف. مع توغل الآليات داخل مدن شمال القطاع دارت اشتباكات عنيفة بين المقاومة والجيش الإسرائيلي وصارت طائرات الاباتشي و”الكواد كابتر” والمدافع تطلق نيرانها علينا بشكل مكثف وعشوائي، حيث وقعت خلال تلك الفترة مئات المجازر راح ضحيتها آلاف الشهداء والجرحى، من بينها مجزرة في مربعنا واستشهد وأُصيب فيها العشرات من جيراني وأقاربي وجميعهم مدنيون ولا علاقة لهم باي نشاط عسكري.

كانت فترة صعبة جداً، كنا نموت في الدقيقة ألف مرة من شدة الرعب والخوف الذي عشناه، ولم نستطع خلالها الخروج من بيوتنا او حتى الوقوف على شبابيك منازلنا لأن الجيش كان يتعامل مع كل جسم متحرك على أنه مقاوم ويطلق عليه النار مباشرة، إضافة لطائرات “الكواد كابتر” التي كانت تتواجد بكثافة، ولصغر حجمها قادرة على دخول المنازل، او التحليق على الشبابيك لتصوير من في داخل المنزل في انتهاك لخصوصيتنا بدعوى البحث عن الرهائن.

كان شمال غزة هو الهدف الرئيسي للجيش الإسرائيلي في تلك الفترة، فالحصار المفروض علينا كان يهدف لإجبارنا بالقوة على النزوح وترحيل من تبقى منا، وهو وما يسعى له الاحتلال منذ نكبة عام 1948. كان إطلاق قنابل الدخان علينا أمر يومي، كانت غازاتها والدخان المنبعث منها تسبب لي الاختناق، إضافة لمنع إدخال الطعام والوقود اللازم لتشغيل الآبار ومحطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي، حتى أصبحنا نعيش وسط مستنقعات من مياه الصرف الصحي ونشرب مياها ملوثة، ونأكل أعلاف الحيوانات وأعشاب الأرض بسبب المجاعة التي عشناها لعدة شهور، إضافة لاجتياح وتدمير غالبية مستشفيات الشمال، حيث كان من يصاب يموت وهو ينزف لا يجد علاجا او حتى سيارة إسعاف توصله لما تبقى من مستشفيات او نقاط طبية تعمل في تلك الفترة.

ألح العديد من اقربائي وزملائي علينا للنزوح بسرعة من الشمال بسبب خطورة الوضع، لكن كنت أرفض بشدة أن نغادر بيتنا، ولأقطع الطريق على أي تردد، قررت عدم الرد على اتصالاتهم، وقمت أيضاً بحظر الارقام التي كان الجيش الإسرائيلي يهاتفني منها للمطالبة بالإخلاء، حتى اهلي وعائلتي فكروا وأوشكوا على اتخاذ قرارهم بالنزوح للجنوب، لكنني وقفت في وجههم ومنعتهم من منطلق إدراكي بعدم وجود منطقة آمنة في جميع انحاء القطاع، وان ما يحدث في شماله سيمتد إلى ما تبقى منه بعد ذلك، وهذا بالفعل ما حدث.

 استمرت المجاعة حتى بدأت بعض الدول العربية والاوروبية واميركا بعد احتجاجات دولية بإلقاء مساعدات غذائية عبر الطائرات، كنت أتوجه يومياً لشاطئ البحر في الأماكن التي تلقي فيها الطائرات أكياس المساعدات لأزاحم الرجال على أمل الحصول على علبة حمص او فول أتناولها مع عائلتي على وجبة السحور او الإفطار في شهر رمضان، إضافة لإدخال شاحنات قليلة من الدقيق عبر مفترق النابلسي والكويت بالقرب من وسط القطاع. لم تكن نيران الجيش الإسرائيلي فقط هي التي تقتل أهل غزة في تلك الفترة بعد أن أٌضيف إليها سبب آخر للموت هو تزاحم الجوعى من اجل الحصول على كيس دقيق.

في إحدى تلك الليالي، وبينما كانت آليات الجيش الإسرائيلي تتقدم متزامنة مع قصف جوي ومدفعي وبحري عنيف، واشتباكات مع المقاومة، وانقطاع تام للاتصالات، صرخت زوجة اخي التي جاءتها آلام الطلق مؤذنة بمولد طفلتها، وانتابنا جميعا الارتباك وكأننا لم نتحسب لأمر محتوم كهذا. لم يكن بوسع أحد الخروج  وسط نيران القصف، وكانت خطوط الاتصالات مقطوعة، لم نستطع الاتصال بالإسعاف، ولم نعرف ماذا نفعل.

قلت لها هل بإمكانك تأجيل الولادة حتى الصبح؟، صرخت وقالت لي: “قاعدة بموت”.

اضطر أخي للخروج من المنزل وخرجت معه بحثا عن أحد يسعفنا، فوجدنا شبانا كانوا يسيرون ليلاً لضبط الأمن في المنطقة، وطلبنا منهم سيارة تنقلها للمستشفى وبالفعل نقلوها ونحن على يقين بأننا لن ننجو من الموت المحدق في كل مكان.

لم تعاقب إسرائيل في حربها حركة “حماس” التي قادت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول بقرار أحادي دون مشورة أحد، او معرفة سكان القطاع، وهو هجوم بلا أدني شك لو تم اطلاعنا عليه قبل القيام به لرفضناه لأننا ندرك تماماً العواقب التي ستؤول إليه، لكن إسرائيل تعاملت معنا جميعاً في القطاع على اننا منتمين لحماس او مؤيدين لها وعاقبتنا بوحشية وإجرام وقتل بلا هوادة دون تمييز بين طفل، أو شاب، او إمراه، او مسن، واوقعت ما يقارب 100 ألف شهيد. أما إحصائية وزارة الصحة بغزة فيما يتعلق بأعداد الشهداء فهي غير دقيقة، لان هناك عشرات الآلاف من الشهداء لم تسجلهم الصحة، لأن منهم من ذابت أو تبخرت جثته بفعل السلاح الذي تستخدمه إسرائيل في قتلنا، ومنهم من تحللت أجسادهم دون استطاعة طواقم الإسعاف والدفاع المدني أو حتى المواطنين انتشالها بسبب خطورة الاوضاع، ومنهم من قُتل ونهشت الكلاب الضالة والقطط أجسادهم. 

لم يكن مشهد الشهداء والأشلاء والدماء والثكلى والأيتام والأرامل مشهد عادياً في حياتي من قبل، لقد كنت اصرخ إذا شاهدت نقطة دم، أما الآن فقد أصبحت تلك المشاهد مألوفة بالنسبة لي لكثرة مشاهدتها، فهنا أرى يداً وهناك أرى قدماً، وهناك جثة ملقاة على الأرض لا تجد من يدفنها.

هذه المشاهد تذكرني بتصريحات وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت في بداية الحرب عندما وصفنا ب “الحيوانات البشرية”، كنت عند رؤية مشاهد القتلى والاشلاء أشعر أن إسرائيل أرادت بالفعل أن تجعلنا “حيوانات بشرية” بعد أن جردتنا من قدرة الفعل على التعامل مع هذه المشاهد والجمود أمامها وهو أمر لم نعرفه قبل الحرب. 

بعد شهور من الأحزمة النارية والقصف والجوع، لم تعد مشاعر الخوف تعد تسيطر عليَّ، فقد كنت أخرج من بيتي لإيصال الطعام لأهلي عندما نزحوا إلى مكان آخر خلال اجتياح مدينة جباليا التي بقيت فيها حتى أواخر ديسمبر/كانون الأول حتى مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، وشظايا المدافع تتطاير من فوق راسي وتسقط على الأرض أمام عيني وطائرات “الكواد كابتر” تطلق نيرانها بشكل عشوائي في شارعنا وعلى باب بيتنا، وقصف الطائرات الحربية العنيف. تجردت في تلك الفترة من مشاعر المبالاة والخوف والقلق، بل بالعكس، كنت أتمنى ان تصيبني قذيفة أو طلق ناري ينهي حياتي للأبد لأن الموت أصبح أملي الوحيد انا وآلاف غيري من أهالي القطاع في تلك الفترة. 

لم تعد لديَّ آمال أو أحلام او تطلعات للمستقبل، فمنذ السابع من أكتوبر انتهت الحياة من وجهة نظري وانتهت معها آمالي واحلامي. أمارس حياتي الآن بشكل روتيني لا يمت لحياتي قبل ذلك التاريخ بأي صلة وكل ما أفكر به الآن فقط هو هل سأعيش؟ وإلى متى؟ ام سأتحول في أي لحظة إلى رقم بين الارقام التي تسجلها وزارة الصحة بغزة لأعداد الشهداء؟

رغم عمري القصير، فقد عايشت عدة حروب في القطاع قبل هذه الحرب، وفي كل مرة كنت أخرج بسلام لأخطط للمرحلة المقبلة من حياتي وأبدا من جديد، لكن لدي شعورا أنني لن أخرج من هذه الحرب، وإن خرجت منها فلم يعد أمامنا مستقبل نعيشه ونخطط له.

أعيش الآن في بقعة جغرافية انعدمت فيها كل مقومات الحياة، وحتى لو انتهت الحرب سنحتاج لسنوات طويلة كي تعود غزة لما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر، ولعلنا فقدنا فيها اهم ما يمكن ان ينعم به الإنسان في حياته وهو “الامان”. أمضيت 17 عاماً من عمري بين حروب وتصعيدات، لم يعد لديَّ أي طموح شخصي أو هدف في حياتي أحلم بأن أحققه. فالحرب قتلت العلماء، ودمرت المنشآت، وحصدت كل ما هو أخضر، وحطمت كل ما هو جميل. جاءت الحرب فدمرت كل أهدافنا وأحلامنا بين ليلة وضحاها ولا تزال. 

بعد عامٍ من الحرب، وسنوات أخرى من حروب سبقتها، لا يمكنني أن أخطط لشيء داخل قطاع غزة، لأنني على يقين تام أن كل ما سأقوم به وأبنيه ستأتي حرب جديدة وتهدمه، لذلك أتمنى الآن أن أبدأ حياة جديدة، أحقق فيها طموحاتي وأهدافي، لكن! خارج قطاع غزة.

كل ما أتمناه الآن ان أجد بلداً آمناً بعيدا أعيش فيه، لربما أنجح في تحقيق إنجاز ما أو هدف ما فيما تبقى لي من العمر. في السابع من أكتوبر، أتذكر أن ما بدأ كصدمة استمر لمدة 365 يوما تحت القصف والجوع والنار والمذابح، لا يزال مستمرا، والعالم يشاهد وكأن ما يحدث لنا تسلية صباحية أو مسائية عابرة في نشرات الأخبار.  ورغم أننا لسنا بخير، لكننا صامدون، ولو سألنا أحد كيف حالنا؟ سنقول: بخير، لكننا في الحقيقة لسنا بخير.