الجمعة, نوفمبر 28, 2025
الجمعة, نوفمبر 28, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية – تاليف حسن طارق

صدر حديثاً كتاب “الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية” عن المركز الثقافي للكتاب بالمغرب، وهو من تأليف الباحث وأستاذ علم السياسة حسن طارق. يحتوي الكتاب على عشرين مبحثًا، موزعة على ثلاثة فصول، تستعرض جميعها الوطنية المغربية في مختلف سياقاتها وسردياتها وتطوراتها الثقافية والتاريخية في الأدبيات الكولونيالية والوطنية. يحوي الكتاب في 248 صفحة، شاملة فهرسا عاما [1].

1- أصالة الطرح وعمق الموضوع:

رغم أن الكتاب قد يبدو ليس الأول من نوعه في طرح مشكلات تم تناولها في مطارحات ودراسات متعددة ومتنوعة على مر العقود، وخاصة بعد توجيه اهتمام الفكر العربي المعاصر إلى قضايا الدولة الوطنية، مثل قضية الأمة والقومية، ومن ثم التنمية السياسية والانتقال الديمقراطي و”الهوية الوطنية”، إلا أن الكتاب يعتبر مميزًا في تجميع هذه الأفكار والمشكلات وإعادة تقديمها بطريقة تبدو جديدة ومعمقة.

يظهر أن كل هذه النقاشات في مختلف أبعادها الثقافية والانتمائية والوجدانية تتمتع بمشروعية مستمرة وتستجيب لحاجة حقل ثقافي مغربي معين، وتسعى لإنتاج نوع خاص من المعرفة التي نعتبرها محسومة ومؤكدة ذاتيًا وليست مدعاة للتساؤل، ونصوغها أحيانا بطابع إيديولوجي “مفكك”، غير واقعي، رغبة في التعميم وسعيا منا إلى “وهم” الثبات. وهي الفروقات التي تنعكس سياسيا واجتماعيا في دائرة من الاحتمالات تبدأ غالبا بالتعصب المناهض للاختلاف، وتنتهي بالتفكك واندثار المشترك

وهي الفروقات التي تنعكس سياسيا واجتماعيا وتبدأ غالبا بالتعصب المناهض للاختلاف، وتنتهي بالتفكك واندثار المشترك.

إن مبتغى رؤى الكاتب، تنبع من الأهمية البالغة للفرضيات التي تسوقها في مسعى لمقاربة سؤال ” كيفية استثمار الخفوت اللافت لتوترات الهوية، وأجواء ما بعد الحوار العمومي الواسع حول إعادة التعريف الجماعي للأمة [خصوصا الإجابة عن من نحن[2]؟]” (ص 24)

هكذا إذن، تنهض مشروعية هذا الكتاب، من أسئلته وغاياته، وما أفرزه من تراكم سردي ومعرفي؛ يجترح أفقا للنقاش، ويفتح مساحة للنقد، ليساير إشكالا غير هين.

ورغم أن الكتاب بالسرديات والأدبيات التي أثثت مضامينه، من مؤرخين وسوسيولوجيين وأنثرولولوجيين،  لا يعبر عن “توزيع إجرائي لمناولات الحقول المعرفية الأخرى للهوية الوطنية”، أو “رغبة في إبراز المائز من التخصصات”، إلا أن الكاتب (ارتكانا لنسبه المعرفي) ، لم يوغل-وقد أمكنه ذلك-  في الاستناد على علم السياسة، بعدته المنهجية وشبكته المفاهيمية، وهويته الخاصة؛[3] بعيدا عن “الاصطفاف” في عباءة حقول معرفية أخرى، شكلت موضوعة الهوية الوطنية مجالات اهتمامها؛ وذلك إيمانا بأن مفهوم الهوية من أكثر المفاهيم فقرا على المستوى الإبستمولوجي، في مقابل تمتعه بفاعلية إيديولوجية كبرى.

وأيضا بحسبان المبحث الذي يتصدى له هو أكثر تعقيدا وتشابكا، مما اقتضى معه الكثير من الحذر الابستمولوجي[4]، وإعمال مقاربات انتقائية ومركبة لفهم طبيعة تفاعلاته  وتحولاته ودينامياته الاجتماعية والسياسية والمعيارية. وبحكم أنه لا يمكن اختزال دراسة الهوية الوطنية واستجلاء قوانينها وارتياد مآلاتها المحتملة، في بعد واحد أو بعدين.

2– الإشكال والمقاربة

يعكف الكتاب على دراسة موضوع الهوية الوطنية بمقاربة يصفها صاحبها بالمقاربة التي “لا تقف على حدود تمجيد التعدد، ولا تتوقف عند عتبة الاحتفاء بالمكونات الفرعية والروافد، لكنها تلتفت إلى الأهم: ترصيد المشترك الوطني الجامع”(ص 17).

وتأسيسا عليه، تنهض الدراسة، على رغبة جامحة في القطيعة مع الطرائق والمقاربات المعهودة، وتستند على إرادة تجاوز الأعطاب ومظاهر الاصطفافات التي تعتور تعاطي العديد من المصادر والكتابات والخطابات. وهو سعي حثيث ليس لتأصيل الموضوع والتأسيس له، وإنما للتنقيب في المصادر وتشريح الوثائق وبعض الشهادات، حرصا على إفساح المجال أمام تعدد الأصوات وضمان إثراء النقاش المعرفي.

 مثلما نلفي حضورا مكثفا لمنطق التجاوز، بدا من خلال حرص الكاتب على التقاط معالم إشكالية نوعية من أعطاف فترات تاريخية أشبعت بحثا، وعدم ركونه إلى ما انتهت إليه الدراسات والسياقات والاتجاهات “الإيديولوجية” من خلاصات ورؤى.

هذا النفس والرغبة في التجاوز، يشكل مؤشرا نوعيا ومميزا؛ يقود إلى طرح استفهامات منطقية ارتاد الكاتب عبرها بياضات بحثية “مهملة”، واتجاهات راهنة ومتجددة حول الهوية (التيار الموري، تامغربييت، التفكير في الإنسية المغربية..)،لم تطأها بوفرة أقلام الباحثين، ناهيك عن إشكالات التعددية والتعايش، عبر سبر مبحث تدبير سياسات الهوية والانتماء؛ بحسبانها (في نظرنا) مجموع إجراءات تؤسس لتجارب “سلطوية” أحيانا و”ظالمة” غالبا، لأعضاء مجموعات اجتماعية ما.

وكان هذا استكمالا وعطفا على كل الإشكالات الثقافية والمعيارية التي سبق وطرحها الكاتب عقب دستور 2011.[5] وهذا النفس التجاوزي، أضفى تميزا على مقاربة الكاتب للدينامية التي رافقت التقاطبات والقطائع والسياقات التي رافقت بناء الوطنية المغربية في التجربة المغربية.

إن مقدمة الكتاب تطفح برغبة جامحة في إبراز تلازم الإشكال الهوياتي مع العجز الديمقراطي، (التحول المعاق للديمقراطية حسب تعبير الكاتب)،  والرغبة في رفع منسوب هوية وطنية “منسجمة”. وهو إسهام نوعي في صرح الإسهامات المنجزة في الموضوع.

الحال أن الأعمال المنجزة سابقا إن كانت قد انشغلت ببحث “الدولة الحديثة والقومية وأسئلة الإصلاح” خلال فترة ما بعد الاستعمار. فإن فهما أعمق وأجلى لهذا المبحث، يستوجب أيضا، إثارة سؤال  “من نحن؟” والتقاط عناصر إجابة أولية عن سؤال ” مدى نجاح الوحدة الوطنية في تيسير الانتقال السياسي؟ وإن كانت الدولة الوطنية بكيانها الخاص قد انتصرت كأفق للتغيير السياسي والانتماء الجماعي؟.

وجعل ذلك مقرونا بالتفكير في استفهام آخر، هو لماذا الوطنية لا تزال أفقا للتفكير؟ وإن كانت إيديولوجية السوق وأفكار التطرف والتعصب، والانكماش الهوياتي والعصبية “الوطنية” هي السر الكامن وراء ذلك؟.

 إن كل هذه العوامل المسؤولة عن التحولات الطارئة حول الهوية والوطنية، تعود أيضا إلى “الدولة الوطنية باعتبارها الفاعل القوي في الساحة الدولية كما لو كانت تمثل ثأرا مشهديا للأمم والثقافات والرموز من التخيلات التنميطية للعولمة”(ص 24)  ومن تم، لا تبرز أصالة الطرح في اختبار المفاهيم والأفكار، بما يقابلها من نقد ونقض واصطفاف، وإنما اقتحام ساحة المشترك، وترصيد تفسيرات أكثر جدة وعمقا و”هدوءا”.

3- الوطنية المغربية كأفق للتفكير

يتحسس القارئ حرصا وإشارة لمختلف المصادر التاريخية بشأن موضوع الوطنية وتحولاتها، وتمحيصها والإدلاء بمواقف بخصوصها.

من ذلك، عرضه لسياقات التأسيس بين عاملي الدولة والإسلام في ضوء المحددين الفكريين للسلفية والليبرالية(ص 27 وما بعدها)، وكذا تمحيص الكاتب لتشكل الوطنية المغربية في سياق العروض الأيديولوجية والانتماءات المجاورة من الشرق والغرب، وكيف تم الربط بين المرجعية العربية الإسلامية وبناء الوطنية الحديثة (ص 51 وما بعدها).

ومن ذلك أيضا عرضه للطروحات الحديثة، التي تؤثث المكتبة المغربية؛ حول الوطنية ومضامينها ومكوناتها ومصادرها ونخبها وتياراتها، وتأويلاتها في مغرب ما بعد الاستقلال، ومن ضمنها كتابات الفاعلين والسير الذاتية والمذكرات التي صدرت من معين الحضن الثقافي للحركة الوطنية.[6](ص 101 وما بعدها)

بيد أن الرجوع إلى ما تناولته المصادر والدراسات والشهادات التي أشار إليها الكاتب، يبرز أن بعضها لم يقف عند حدود الوعي بالكيان الوطني والانتمائي، والخوض في جدة الوعي به من قدمه، وفي السياقات الحقيقية للوطنية ومضمونها، ومكونات الهوية المغربية وبناءاتها، والتحولات التي اعترت الذات الوطنية (إرادات المحو الاستعمارية؛ استثمار الشعور الديني والوعي العروبي؛ الانبثاق التاريخي للأمة في محطات وطنية، إنتاج الشرعية السياسية من موارد رمزية وتاريخية..).

بل تعدته نحو الإجابة عن الخصائص العميقة والمتجذرة لدى “الشخصية القاعدية” المغربية، أو “من هم المغاربة؟ كسؤال غائب في أدبيات الوطنية المغربية”(ص 154) وبعد الإشارة إلى إهمال المصادر لهذا السؤال، اتخذ الكاتب من هذا الاستفهام منطلقا للبحث، لتجميع خصائص العقلية و”النفسانية” المغربية، التي دونها كل من “عبد الكريم غلاب”[7] و”يحيى بن سليمان”[8]؛ كالصبر، والضيافة، والشجاعة، والإطناب والتضخم، والتشبث بالقانون، والنضال، والانفتاح، واللامسؤولية…(ص 155 وما بعدها).

وفي سياق الترافع حول ما وسمه الكاتب ب”ابتكار وطنية جديدة”، يستدعي المؤلف “ما يشبه زيارة جديدة للمفهوم الذي كان الراحل علال الفاسي قد طوره بمناسبة حديثه عن الإنسية المغربية” (ص226) باعتبار الأخيرة، دعامة لاستثمار الاعتراف بتعدد مكونات الهوية، وسبيلا للسعي نحو منطق الوحدة الجامعة والأفق الثقافي الموحد والمدمج. كما استدعى الكاتب في مساءلاته الحقوقية والفلسفية، كل ما يلطف من الشحنة الإيديولوجية والهوياتية للانتماء الوطني.

ولعل التعبير الذي ختم به الكاتب مؤلفه”وطنية أكبر ومواطنة أكثر”، لا يعكس بجلاء رغبة تجاوز الوطنية باسم المواطنة؛ وإنما دعوة إلى تنسيب الوعي بحدود مطالب النقد الحقوقي لفكرة “الوطن”، وبأن “الوطنية المغربية الحديثة هي وطنية سياسية في عمقها بالمعنى الذي يجعلها بعيدة عن أن تمثل أفقا إثنيا للانتماء” (ص 247) وإنما مدخلا للحداثة السياسية ولبناء الجماعة السياسية المدنية، كونها كانت -منذ البدء- حاملة لفكرة التحرر والديمقراطية، وللشكل الجنيني لتبلور المواطنة؛ كالتزام تجاه المشترك وكواجب أخلاقي في اتجاه المجموعة.

لقد امتلك الكاتب الكثير من الخبرة والشغف و”القطيعة” اللازمة لمواصلة تعميق التفكير في “نهر” الوطنية المغربية، واستطاع بهذا الجهد أن يعبد للباحثين، مسالك للنقاش والتأمل؛ بما يضمن إنضاج ومراكمة معرفة علمية و”شاملة” بموضوع الهوية الوطنية.


[1] لا يمكن اعتبار هذه الأسطر قراءة في الكتاب، ومناقشة لمضامينه، وإنما تقديما وإيرادا عاما لأبرز عناوينه. وهذا المنزع يروم التعريف بمساهمة نوعية في صرح الإنتاج العلمي، بحكم اقتحام الكاتب لبعض البياضات التي لم تصوب نحوها أقلام الباحثين على نحو كاف، وهو ما يسمح بإضاءة بعض مواطن العتمة في تاريخ الوطنية المغربية.

[2] لعل السؤال الذي يواجه البشر منذ الأزل فرديا وجماعيا: من أنا أو من نحن؟ ثم يستكمل هذا السؤال من خلال أسئلة أخرى تتعلق بالعمل والمشروع، الذي يمثله الإنسان، نشأة وانتماء كمعطى أول، وفيما بعد عملا وصيرورة كمعطى ثان. الأول سيكون معطى دون خيار، أما الثاني فهو خيار؛ أي أنه تفضيل بين خيارات، وبالتالي سيكون خيارا واعيا ومكتسبا، من خلال وعي وعملية خلق. وإن كان الأول طبيعيا، فإن الثاني يعرب عن الإرادة البشرية (التدخل الإنساني ) لإكساب الهوية شكلا جديدا مفتوحا وقابلا للتطور.

راجع: عبد الحسين شعبان، الهوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2017، ص 20.

[3] كان المأمول، الخوض في ما اعترى صيرورة الهوية في النظرية والفكر والاتجاهات السياسية.

[4] الحديث عن الدينامية الهوياتية وتحولاتها مغربيا، لا يقتضي من الدارسين والباحثين لقضايا التحول تهافتا معرفيا، بقدر ما يبتغي إبستمولوجيا حيطة وحذرا بالغين، خاصة في إطلاق الأحكام والتوصيفات، نظرا لما يحمل هذا المجتمع من مميزات وخصوصيات، تقتضي تكييفا نسبيا للتراث النظري الذي خلفه الزخم المقارباتي الملحوظ في التعاطي مع مختلف مظاهر التحول المتعدد الأبعاد والمستويات. وهذا الحذر الإبستمولوجي هو ناتج بالضرورة عن البنية المجتمعية التي اختار لها الراحل ” بول باسكون” وصف “المجتمع المركب”، إذ يبدو للمتتبع العادي أن هذا المجتمع يعيش تحولات عديدة وفق صيرورة متسارعة سواء في المجال السياسي، الاقتصادي وحتى في الجانب الاجتماعي والقيمي والثقافي. لكن هذا لايمنع من وجود مظاهر المحافظة الغالبة.

[5] سبق للكاتب تناول نقاش الهوية في الحياة السياسية في المغرب، قبيل دستور سنة 2011، في مؤلفه: السياسات العمومية في الدستور المغربي الجديد، بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سنة 2012.

[6] للتوسع في هذه الطروحات، يمكن أن نسوق الإسهامات الهامة لبعض الباحثين الاجتماعيين الوطنيين:

-أكنوش عبد اللطيف،” تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية بالمغرب”، إفريقيا الشرق البيضاء، الطبعة الأولى 1987.

-أحمد التوفيق، “المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر”، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، الطبعة الأولى 1983.

-عبد الله الحمودي، “الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية”، ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية-الرباط، عدد11، 1985.

-Ayache (Albert), “Le Maroc, Bilan d’une colonisation”, Ed, E.S, édition 1956

-Ayache (Germain), “La fonction d’arbitrage du makhzen”, In: B.E.S.M, N° 138-139, édition 1979, pp.5-21.

-Hammoudi (Abdellah), “Segmentarité, stratification sociale , pouvoir politique et sainteté- reflexion sur les thèses de Gellner, “In revue Hesperis – Tamuda, volum 15, 1979, pp 18-147.

-Ettibari (Bouasla), “Les Structures rurales au 19ème siècle”, In B.E.S.M, N° 157-158, 1986.

-Mekki (Bentahar) et Ettibari (Bouasla), “La sociologie coloniale te la société marocaine de 1830 à 1960”, In la sociologie marocaine contemporaine , Pub de la fac des lettres ,Rabat, 1988.

-chkroun (Mohamed), “Crise de la société ou crise de la sociologie” , In B.E.S.M, N° 153-154, 1984, pp 78 et s.

-Khatibi (Abdelkébir), “Maghreb Pluriel”, Ed Denoël, Paris, édition 1983.

[7] عبد الكريم غلاب، الشخصية، شخصية المغرب نموذجا، منشورات دار أبي رقراق، الرباط، ط 1، 2017

[8] يحيى بن سليمان، نحن المغاربة: مشاكل النمو بين التقليد والتجديد، شركة النشر والتوزيع المدارس، البيضاء، ط 1، 1985.