الجمعة, نوفمبر 28, 2025
الجمعة, نوفمبر 28, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

ظهور القومية وتفاعلاتها من أوروبا إلى العالم العربي

غالبًا ما تُعتبر القومية سمة متأصلة في الحياة السياسية، لكن مفهوم “الدولة القومية” لم يترسخ كفكرة سياسية إلا خلال الثورة الفرنسية. قبل عام 1789، كان الولاء يُمنح دائمًا للملوك والسادة الإقطاعيين والسلطات الدينية. أما فكرة وجود مجموعة متساوية من الأفراد تجمعهم مصالح مشتركة ولغة وثقافة واحدة، فكانت جديدة – وثورية للغاية، أو حسب مقولة ماكسيميليان روبسبير الشهيرة: “يجب أن يموت لويس لكي تعيش الأمة.” هذا الشعور عكس مدى إلحاح وحماسة القضية الثورية: خلق الدولة القومية كان يتطلب التضحية بالنظام القديم.

عندما استولى الثوار على السلطة، واجهوا تحديات فورية. كانت فرنسا مضطربة اقتصاديًا، ومتورطة في صراعات خارجية، ومنقسمة بفعل الاختلافات الداخلية. ومن ثم لم يكن تأسيس هوية وطنية متماسكة أمرا سهلا. فقد كان العديد من الفرنسيين يشعرون بولاء أقوى لمناطقهم المحلية أكثر من مفهوم فرنسا الأوسع. كما كان عالم وهوية الفلاحين يُعرَّفان بالقرية، وليس بالأفكار المجردة للدولة القومية.

عقّدت التنوعات اللغوية في فرنسا الأمور أكثر. كان معظم الناس يتحدثون لغة أو لهجة محلية، بينما كان استخدام الفرنسية الموحدة محدودًا على النخبة الحضرية. بدت رؤية فرنسا موحدة شبه مستحيلة. إذ كيف يمكن بناء أمة إذا كان من تحاول توحيدهم لا يرون أنفسهم جزءًا منها؟

كان جان جاك روسو، الذي أثرت أفكاره بشكل كبير على الثوار، مدركًا لهذه المشكلة قبل الثورة بفترة طويلة. ففي أطروحته عن الكومنولث البولندي-الليتواني، لاحظ أن الدولة غير المنظمة والمنقسمة داخليًا محكوم عليها بالضعف وسهولة الغزو. ومن أجل البقاء، رأي “روسو” أن بولندا بحاجة إلى أن تلتئم في  روح قومية – هوية جماعية تتجاوز الاختلافات الإقليمية والثقافية. واعتبر أن التعليم هو المفتاح. في رؤية روسو، ستعمل المؤسسات الوطنية على غرس الفخر بتاريخ الأمة وثقافتها وشعبها، لتحويل المواطنين إلى وطنيين حقيقيين.

أخذ الثوار أفكار روسو على محمل الجد، وأدركوا أنهم بحاجة إلى خلق شعور بالهوية الجماعية يرتكز على فكرة الدولة القومية كي تبقى فرنسا. فشرعوا في مشروع للتوطين، بهدف تشكيل هوية مشتركة تتجاوز الولاءات المحلية واللغات الإقليمية. لجأوا إلى التعليم، والأعياد الوطنية، والفنون المدعومة من الدولة لبناء وعي وطني موحد.

كان إنشاء نظام تعليم وطني أحد أهم إنجازات الثوار. أسسوا مدارس لتعليم الأطفال قيم الثورة وأهمية الدولة القومية. كما أُدخلت الفنون والثقافة في خدمة القضية الوطنية. وتم تحويل قصر اللوفر الملكي إلى متحف وطني، رمزًا لفخر الشعب الفرنسي بثقافته وتراثه. أصبحت الفرنسية الرسمية لغة التعليم، وبُذلت جهود لقمع التنوعات الإقليمية. ويعبر النشيد الوطني الفرنسي “لامارسييز”، الذي ألِّف في عام 1792، عن دعوة للشعب الفرنسي للانتفاض والقتال من أجل الأمة، واصفًا الأعداء بـ “الدماء غير النقية” التي يجب أن تُراق من أجل مجد فرنسا.

القومية خارج فرنسا

وعلى الرغم من فشل الأفكار الثورية الفرنسية إلى حد كبير في تحقيق دولة قومية موحدة ومستقرة، إلا أنها تركت أثرًا عميقًا على مستوى العالم. فقد ألهم مفهوم الدولة القومية حركات الاستقلال في المستعمرات وجهود التوحيد القومي في أوروبا. وتم صك كلمة “القومية” نفسها في تسعينيات القرن الثامن عشر لوصف الحركة السياسية الناشئة.

انتشرت هذه الفكرة عبر أمريكا اللاتينية، بدءًا من هايتي ومرورًا بمستعمرة البرازيل وحروب التحرير التي قادها سيمون بوليفار. وقد حشد بوليفار جيوشًا من السكان الأصليين وأصحاب الأصول المختلطة لتأسيس أمم جديدة من بقايا المقاطعات الإسبانية: فنزويلا، كولومبيا، بوليفيا، الإكوادور، وبيرو. وشهدت هذه التحولات ولادة تشيلي والأرجنتين والأوروغواي وباراغواي. لم تكن هذه الثورات قومية بحتة، بل استندت إلى مبدأ السيادة الشعبية—وهي رؤية تمزج بين المبادئ الليبرالية والطموحات القومية، وتحمل بصمة لا تخطئها العين للثورة الفرنسية.

في أوروبا، رسخت القومية أقدامها في اليونان وإيطاليا، حيث أبرزت حركات التوحيد قوة هذه الفكرة. وجد القوميون الإيطاليون، الذين دفعهم شغفهم لتوحيد الولايات الإيطالية المتفرقة، صوتهم الأكثر صخبًا في جوزيبي ماتزيني. كان ماتزيني يرى الأمم ليس فقط ككيانات متميزة، بل كجهات فاعلة عقلانية قادرة على تشكيل تحالفات – مثل “الولايات المتحدة الأوروبية”- التي تخيلها تعزيزا للسلام الدولي.

تطلبت هذه الرؤية تغييرًا جذريًا في الولاءات. قال ماتزيني للإيطاليين: “واجبكم الأول هو للبشرية. أنتم بشر قبل أن تكونوا مواطنين.” لكنه جادل أيضًا بأن تحقيق الوحدة العالمية يتطلب بناء أمم قوية ومتماسكة. انعكست هذه الفلسفات السياسية في أفكار وودرو ويلسون وظهور مؤسسات مثل الناتو والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لكن التفاؤل حيال السلام الدولي اصطدم بواقع النزعات الانقسامية للقومية. فغالبًا ما أثارت النزاعات الإقليمية والتنوع الثقافي داخل الحدود صراعات مريرة. لقد سلطت وصفات روسو السابقة لبولندا الضوء على هذه التحديات: ماذا عن أولئك الذين يعيشون داخل حدود بولندا ولكنهم لا يعتبرون أنفسهم بولنديين، ويتحدثون لغات أخرى، أو يعيشون في مناطق ثقافية متميزة؟ هل يجب أن يقبلوا اللغة والثقافة البولندية، أم يناضلوا من أجل الاستقلال؟ وبالمثل، هل ينبغي للبولنديين الذين يعيشون خارج حدود الأمة—مثل أولئك في بروسيا—الدعوة إلى الضم لتوحيد شعبهم؟

هذه المعضلات تكررت في جميع أنحاء أوروبا وخارجها مع انتشار القومية، حيث حولت التطلعات المثالية للوحدة إلى نزاعات حول الأرض والهوية والسيادة. كشفت مثل هذه النزاعات عن الطبيعة المتناقضة للقومية: ففي حين أنها قد تلهم التضامن الداخلي، فإنها غالبًا ما تولد العداء الخارجي. بدا الأمل في أن تحقق القومية السلام الدولي أمرًا ساذجًا على نحو متزايد.

وقد أدت هذه الديناميكية بدورها إلى ظهور ما يمكن تسميته “قومية الشعوب المضطهدة”، وكانت الصهيونية المثال الأبرز على ذلك. فقد ربط تيودور هرتزل محنة الشعب اليهودي بغياب دولة لهم. وعلى الرغم من أن اضطهاد من يُعتبرون أجانب هو ظاهرة قديمة قدم التاريخ، فقد جادل هرتزل بأن هذا التمييز اتخذ طابعًا قوميًا. كتب: “كل أمة يعيش فيها اليهود معادية للسامية إما سرًا أو علنًا.” وتمثل الحل الذي طرحه في إنشاء دولة يهودية، مما أدى في نهاية المطاف إلى تأسيس إسرائيل.

ثورة الغوطة في سوريا 1925 وتزايد حضور القومية في العالم العربي

مع ترسخ القومية بشكل أكبر خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، سعت العديد من الدول إلى تعزيز هويتها من خلال برامج “روسويّة”. هدفت هذه المبادرات إلى غرس شعور بالانتماء والفخر والتضامن بين المواطنين. بحلول أواخر القرن التاسع عشر، كانت الولايات المتحدة قد أدرجت قسم الولاء الوطني في المدارس لتعزيز الولاء للأمة. وتم تبني تدابير مماثلة في جميع أنحاء العالم لتوحيد السكان المتنوعين تحت راية الدولة القومية، مما عزز قوتها وتحدياتها في عالم يتجه بسرعة نحو الحداثة.

مع انتشار القومية في أوروبا، أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالرومانسية، وهي حركة أكدت على العاطفة بدلاً من العقل، والحدس بدلاً من المنطق. لم تتجذر القومية الرومانسية بقوة أكبر مما حدث في ألمانيا، حيث تحولت إلى شيء شبه صوفي، يربطها بمفاهيم القدر الثقافي والشعب .(Volk) تطورت هذه الحماسة لتصبح الأساس الأيديولوجي للفاشية—وهي شكل متطرف ومدمر من القومية، حيث تم إخضاع كل شيء لأسطورة العظمة الوطنية الموحدة.

التكنولوجيا وبناء “الأمة”  

لم يكن بإمكان ظهور الدولة القومية الحديثة أن يتحقق دون الثورات التكنولوجية الهائلة. في القرن الخامس عشر، أحدثت مطبعة يوهانس غوتنبرغ ثورة غير مسبوقة في نشر المعرفة، حيث أتاحت للأفكار أن تنتشر على نطاق واسع وبسرعة كبيرة. لولا قوة المطبعة، لبقيت أفكار التنوير، التي شكلت الأساس الفكري لمفهوم الأمة، محصورة داخل دوائر صغيرة من العلماء والنخب. ساعدت الدعاية القومية، المنتشرة من خلال الكتيبات والصحف والكتب، في تعزيز الشعور بالهوية المشتركة. علاوة على ذلك، أصبح توحيد اللغة – وهو عامل حاسم في خلق ثقافات وطنية متماسكة – ممكنًا بفضل انتشار المواد المطبوعة إلى جمهور أوسع.

جلبت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر أشكالًا جديدة من الاتصال والتحكم للدول. فقد مكّنت السكك الحديدية والسفن البخارية واختراع التلغراف الحكومات من فرض سلطتها على مساحات شاسعة. وظهرت إدارات مركزية، عززتها قدرتها المكتسبة حديثًا على الحكم بفعالية في مجالات واسعة. وأصبح مفهوم السيادة، الذي كان يومًا ما فكرة مجردة، واقعًا عمليًا مع امتلاك القادة الوطنيين أدوات لحماية الحدود والحفاظ على النظام.

التحول من عالم القرية إلى الحضر كان أيضا عاملًا مهما في بناء الأمم. هاجرت التجمعات السكانية الريفية إلى المدن، حيث تواصلوا مع أشخاص من مناطق مختلفة ضمن الدولة نفسها. عزز هذا الالتقاء الشعور بالانتماء إلى كيان أكبر—أمة ذات أهداف وطموحات مشتركة. وقد أشار المؤرخ بنديكت أندرسون إلى الأمم باعتبارها “مجتمعات متخيلة”، حيث تُمكن الرموز والروايات المشتركة، التي جعلتها التكنولوجيا ممكنة، الملايين من الشعور بالارتباط ببعضهم البعض دون أن يلتقوا وجهًا لوجه.

العالم العربي والقومية

في العالم العربي، مثل مفهوم الأمة – المجتمع العالمي للمسلمين باعتباره الهوية الجماعية الشرعية الوحيدة –  عائقًا كبيرًا أمام ظهور الدولة القومية. لقرون عديدة، كان المسلمون ينظرون إلى أنفسهم على أنهم ينتمون إلى كيان روحي واجتماعي موحد يتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية. ظهور الدول القومية، بحدودها المصطنعة وولاءاتها المجزأة، اصطدم بشكل عميق بهذا الإحساس الراسخ بالوحدة والمصير المشترك.

تزامن ظهور الدول القومية العربية مع موجة حركات الاستقلال التي اجتاحت الجنوب العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين. لم تكن فكرة الدولة القومية الحديثة ذات الحدود المحددة والمؤسسات الدائمة موجودة تقريبًا قبل ذلك. كانت مصر والمغرب فقط هما المنطقتين اللتين أظهرتا بعض مظاهر الاستمرارية السياسية، لكنهما كانتا بعيدتين عن النموذج الحديث للدول. كلاهما كان يحكمه حكام من عائلات مالكة تمارس السلطة على أراضٍ ذات حدود غير واضحة. وكانت شرعية حكمهم تعتمد على شخصياتهم الحاكمة بدلاً من تماسك الأرض أو شعوبها. عندما ضعفت أو سقطت هذه السلالات، انهارت معها الهياكل السياسية أيضًا.

جلب الاستقلال عن الحكم الاستعماري الحكم الذاتي ولكنه كشف أيضًا المنطقة لتحديات عديدة. فقد تجاهلت الحدود الجديدة التي رسمتها القوى الاستعمارية شبكات معقدة من الولاءات العرقية والقبلية والطائفية التي لطالما شكلت المنطقة. وضعت اتفاقيات مثل اتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة لعام 1916 حدودًا مصطنعة دون مراعاة للواقع التاريخي. فُرضت هويات وطنية جديدة على مجموعات بشرية لم يكن لديها الكثير من القواسم المشتركة، مما أدى إلى مزيج متفجر من السخط والانقسام.

وضعت الدولة العراقية بعد الاستقلال العرب السنة والشيعة، والأكراد وغيرهم من الأقليات تحت راية وطنية واحدة. وكانت انقسامات مماثلة واضحة في سوريا ولبنان والأردن، حيث جُمعت مجموعات عرقية ودينية متنوعة في كيانات سياسية واحدة. وفي شمال إفريقيا، شطرت الحدود التي رسمها الإداريون الاستعماريون أراضي القبائل، وقطعت التحالفات التاريخية، مما مهد الطريق لنزاعات مستقبلية.

ولا تزال تداعيات هذه الحدود محسوسة حتى اليوم. تكافح بعض الدول العربية لتكوين هوية موحدة، بينما انهارت دول أخرى أو اقتربت من حافة الانهيار. ففي العراق، أدى العنف الطائفي إلى تهديد طموحات الأكراد بالحكم الذاتي لوحدة البلاد. أما ليبيا، فقد انزلقت إلى حالة من الانقسام بعد سقوط معمر القذافي عام 2011، حيث أصبحت دولة مجزأة تحكمها فصائل متنافسة. وتواجه سوريا قوى تفكك مماثلة عقب سقوط نظام الأسد. بينما يُظهر الصراع في اليمن كيف يمكن أن تقوض الانقسامات القبلية والدينية والإقليمية الجهود المبذولة لبناء دولة متماسكة.

تشكل تحديات توحيد السكان المتنوعين داخل حدود فرضتها القوى الأجنبية معضلة كبيرة. وكما لاحظ المؤرخ رشيد الخالدي: “كان نظام الدول في الشرق الأوسط، الذي فُرض بقرار استعماري، يكافح دائمًا للتوفيق بين تطلعات وهويات شعوبه.” ولا تزال الوراثة الاستعمارية للحدود الاعتباطية، إلى جانب غياب المؤسسات الوطنية القوية، تطارد العالم العربي، تاركة وراءها فسيفساء من الدول التي تواجه عدم الاستقرار، والهويات المجزأة، وفي كثير من الحالات، صراعات مفتوحة.