السبت, نوفمبر 29, 2025
السبت, نوفمبر 29, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

هل حان الوقت لعودة الدين إلى الفضاء العام في الغرب؟

كرست العلمانية منذ ظهورها في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر إلى حتمية فصل الدين عن الحياة العامة والمؤسسات السياسية، وحصره فيما هو ديني فقط. والحال أن صعود العلمانية الأوروبية بحد ذاته كان ردة فعل على ما اعتبرته المجتمعات الأوروبية “تغولا” للمؤسسة الدينية/الكنسية في مناحي الحياة المختلفة من السياسة إلى التعليم والطب وحتى الفضاء العام، ومن خلفية الحروب الدينية في أوروبا والتي شهدت تمظهر الدين باعتباره محور السياسة والحكم. لكن مياها كثيرة جرت في نهر العلاقة بين الدين والفضاء العام على مدى تلك القرون، خففت من الدعوة لإقصاء الديني أو اللاهوتي، ورجحت بدلا من ذلك نوعا من الموائمة تتناسب مع استقرار المفاهيم التي كانت تصادرها المؤسسات الدينية في السابق. العرض الذي نقدمه لكتاب  الفيلسوف الفرنسي  جون مارك فيري (1946) يناقش مسألة مهمة في هذا السياق وهي علاقة الدين بالمجال العام وما هي شروط عودته إلى تلك الساحة.

 مقدمة

 يشير مصطلح المجال العام إلى حيّز من الحياة الاجتماعية يمكن للأفراد أن يجتمعوا فيه ليناقشوا ويعرضوا بحريّة لمختلف المشاكل والقضايا التي تواجههم كجماعة، ومن خلال هذه المناقشة يتم التأثير والتفاعل مع القائمين على تدبير الشأن العام لتتم، تبعا لذلك، استجابة الدولة لمطالب المجتمع. فالفضاء العام، بهذا المعنى، فضاء مشترك مفتوح للجميع يتم فيه تبادل الأفكار والمعلومات عبر اجتماعات عامة، ومن خلال مختلف وسائط ووسائل التواصل والاتصال الحديثة ضمن نقاش عقلاني نقدي عام يصطلح عليه النقاش العام.  

 يعود هذا المفهوم إلى الفيلسوف الأماني “إمانويل كانط” (Emmanuel Kant)، غير أنه ارتبط أكثر ما ارتبط بـ”يورغن هابرماس” ( Jürgen Habermas) من خلال كتابه “التحول البنائي للمجال العام” الذي صدر باللغة الألمانية سنة 1961، غير أن ذيوع المفهوم وانتشاره على نطاق واسع ارتبط بصدور الترجمة الإنجليزية للكتاب سنة 1989. ويتحدد لديه كفضاء يتكون من أشخاص أفراد يجتمعون كجمهور.  

يعود تاريخ ظهور ما يٌعرف بالمجال العام إلى القرن الثامن عشر من خلال العديد من المؤسسات التي تشكلت في العديد من المجتمعات الأوروبية؛ ففي إنجلترا تجسد هذا المجال في المجلات والصحف والمقاهي، وفي فرنسا في الصالونات الأدبية والثقافية الباريسية بعد منتصف القرن نفسه، وفي ألمانيا أخذ شكلا متواضعا من خلال نوادي القراءة. وقد شكل التراكم التاريخي لهذه الحوارات والنقاشات العمومية وما اتسمت به من حرية ومنزع نقدي متنام شرطا موضوعيا لتبلور الديمقراطية النيابية.

وفيما يتعلق بالكتاب موضوع هذه القراءة يثور التساؤل: هل من مصلحة النقاش العمومي الديمقراطي أن يفسح المجال للقناعات الدينية أن تعبر عن ذاتها؟ هل يحق لنا أن نحصر التعبير عن القناعات الدينية في الفضاء الخاص؟ ألا تجني المجتمعات الديمقراطية أية فائدة من إفساحها لمجال أوسع للقناعات والاعتقادات الدينية للتعبير عن نفسها في المجال العام؟ هل لدعوى “جون مارك فيري” أن في رفع الحواجز تعزيزاُ للتفاعل بين حقلي السياسة والدين إغناء لكل منهما، ما يبررها؟ خاصة في ظل رهانه على البعد العقلاني التقدمي والتحرري والمنفتح للدين على المستقبل.

أطروحة الكتاب

في كتابه “العقل والإيمان” يقترح “جون مارك فيري”(Jean-Marc Ferry) مقاربة نقدية للكيفية التي تعاملت بها الديمقراطيات الدستورية المعاصرة مع القناعات الدينية ، فهو لم يعن في هذا السياق بالمسألة التي طالما تمت مناقشتها بقوة فيما يتصل بموقع الرموز الدينية في الفضاء العام، وإنما انصب اهتمامه الفكري على موقع القناعات الدينية في النقاش الاجتماعي- السياسي.

فبعد أن يتساءل: هل من الأجدر ومن المحبذ أن يكون “العقل السياسي” في صلته بإنفاذ القانون، مجردا من أي قناعة أو اعتقاد ديني؟ أم يتعين، على النقيض من ذلك، تجاوز هذا الإقصاء والحرمان السياسي للدين؟  يؤكد جون مارك فيري أن المجال السياسي يمكنه أن ينفسح للقناعات والاعتقادات الدينية ويمكنه أن يستفيد من ذلك. كما يذهب، أبعد من ذلك، إلى أن هذه المصالحة بين العقل والإيمان تعد ضرورية؛ خاصة حينما تطرح للنقاش والسجال قضايا خلافية من قبيل؛ الزواج للجميع، والإنجاب بمساعدة طبية أو تأجير الأرحام ، أو الموت الرحيم.  

 لا يتردد “جون مارك فيري” في هذا السياق في الاعتراض على تقليد الليبرالية السياسية التي تجد مرجعيتها في أطروحة “جون رولز” (John Rawls) التي تعكس مسلك الديمقراطيات المعاصرة في إقصاء استعمال الحجج الدينية في المجال العام. بحيث إذا كانت لهذا الإقصاء مبرراته التاريخية، فقد أصبح عديم الجدوى بل ضارا ومؤذيا. وهو ما جعل الكاتب يستعيض عنه بنوع من الجمع والتلاحم المفضي إلى حالة من الإثراء المتبادل. حتى يتحقق ذلك ويغدو ممكنا، يتعين أن يقبل كل من الحقلين الثيولوجي (الديني) والسياسي أن تلحق بهما تغييرات أساسية؛ حيث يحدد الكاتب، في سياق توجهه إلى كل من الثيولوجيين والمفكرين السياسيين، هذه التغييرات انطلاقا من تخصيصه لفصول تحدد المسار الذي يتعين اتباعه من وجهة نظر الأديان، وأخرى للمسار الذي يتعين على العقل العمومي اتباعه.

حينما يتوجه المؤلف إلى الثيولوجيين فإنه يدعوهم إلى إحداث التغييرات البنيوية التي من شأنها أن تتيح إمكانية الاستعمال العمومي للقناعات، وهو ما لن يتحقق إلا بتحويل أو قلب ضروري للمواقف. يتعلق الأمر، بشكل أساسي، بالنسبة للأديان بتغيير صلتها بالحقيقة، حيث يموضع الكاتب موقفه ضمن منظور لثيولوجيا ما بعد ميتافيزيقية غير معصومة، بل قابلة للخطأ ودون أن تكون نسبوية، وهو منظور من شأنه أن يجعل الحوار بين الأديان والحوار العابر للمعتقدات بما في ذلك بين غير المؤمنين، حوارا خصبا.

فبدلا من ثيولوجيا عقائدية يعتبر الكاتب أن الخطاب الديني يتعين أن يأخذ صورة غير توتاليتارية (شمولية) بشكل راديكالي، مثلما يتعين على مختلف الأديان، من وجهة نظره، أن تغدو بمثابة سُبل وأشكال لفهم ذاتها وفهم العالم. كما يتوجب عليها أن تتخلى عن ادعائها تحديد المعنى الوحيد والكلي للتجربة الإنسانية، بحيث أن ترجمتها لمعاني ملغزة قاصرة على فئة مخصوصة بلغة زمنية علمانية يغدو من أهم وظائف الخطاب الديني. رغم ذلك، يعترض “جون مارك فيري”، على الموقف الثيولوجي الذي يعتبره مهيمنا؛ الموقف الذي رغم إقراره بالتعددية الدينية يعتقد أن الحوار لن يكون ممكنا إلا إذا تم استبعاد النظر في حقيقة المعتقدات الدينية وتم تركها لحالها. وهو الموقف الذي يقبل تعددية الحقيقة ليناقض فكرة الحقيقة ذاتها، وهو ما يجعلها، من وجهة نظره، تفشل، تبعا لذلك، في تجاوز الحوار ما بين الأديان ، وتبني حوار عابر للقناعات. كما تفشل أخيرا من الارتهان لاستعمال خاص أو خصوصي للعقل الديني.  

في حين تستطيع الثيولوجيا “ما بعد ميتافيزيقية”، حسب الكاتب، القبول بتعددية سُبل الوصول إلى الحقيقة في إطار من التسليم بحقيقة واحدة. كما أن هذا الانتقال من الاستعمال الخاص/الخصوصي إلى الاستعمال العام/العمومي للخطابات الدينية يلغي ذاتيا أسباب ومبررات الفصل بين الإيمان وما يحيل إليه من قناعات واعتقادات، وبين العقل. وما دامت القناعات الدينية تتحمل ما تقتضيه أية مناقشة صحيحة ، فإنها تتخلى عن ادعاءاتها معرفة الحقيقة المطلقة، ولا يعترض على قابليتها للخطأ، وهو ما يجعل من حصر القناعات الدينية وجعلها قاصرة على الفضاء الخاص غير مبررة من وجهة نظره. غير أن هذا التحول البنيوي للعقل الديني لا يكفي للاستجابة لمقتضيات وضرورات العقل العمومي كما تحددت تقليديا من طرف الليبرالية السياسية. بالإضافة إلى إخضاع المواقف الدينية إلى القابلية للخطأ، فقد دعا الكاتب إلى انفتاح العقل العمومي الذي تغيرت بنيته بشكل أساسي.

هل عودة الدين إلى الفضاء العام مقبولة؟

يحيل العقل العمومي، حسب الكاتب، إلى مجموع الأدلة والقرائن التي تبرر بشكل عمومي اعتماد أو لفظ معايير تترتب عليها نتائج سياسية ومعلوم أن العقل العمومي باعتباره مفهوما مركزيا في الليبرالية السياسية لجون راولز (John Rawls) يقصي من المجال السياسي القرائن والأدلة المتعالية ذات الطبيعة الدينية وهو الأمر الذي يعترض عليه الكاتب بشدة داعيا إلى تجاوز هذا التقييد.

وبالتالي فمقابل مجتمع زمني دهري يعمل وفقا للطرق والصيغ القانونية الليبرالية السياسية يدعو الكاتب إلى مجتمع ما بعد زمني ؛ حيث يمكن للقناعات الأكثر عمقا التعبير عن نفسها في الفضاء العام. وفي هذا السياق يعتبر أن إقصاء وإزاحة الديني يتعين أن ينتهي، وأن يوسع العقل العمومي بنيته الاستيعابية والاستقبالية ويجعلها أكثر مرونة، حيث يقترح إحداث تحول جذري لحدود العقل العمومي الليبرالي..

ومع أن الكاتب لا ينفي الآثار والنتائج التاريخية الإيجابية لتقييد المجال الديني وحصره في المجال الخاص ، في سياق التجربة التاريخية الحضارية الأوروبية وما ترتب عن ذلك من استعادة للسلم الأهلي بعد سنوات متطاولة من الحروب الدينية المدمرة، بحيث أسهم حصر الدين في المجال الخاص في الحد من الانقسام والتفكك الاجتماعي ، مثلما سمح، في سياق استثنائي، بتبلور وانبثاق فضاء مدني بعيدا عن أجواء التوتر والاحتراب.

مع ذلك، يرى أن السياق التاريخي الذي كان داعيا لهذا التقييد والحد لم يعد قائما، الأمر الذي بات يستدعي تجاوزه والعمل على إرساء أسس علاقة جديدة بين المجالين؛ مجال الدين ومجال السياسة. لقد أوضح كيف أن الحدود المفروضة من قبل العقل العمومي على الدين جعلت السياسة في حالة وهن وعجز نسبية بالنظر إلى انفجار العديد من المشكلات المجتمعية بداية من زواج بين المثليين، وصولا إلى الموت الرحيم والتلاعب بالجينوم البشري.

ذلك أن السياسي في رأي المؤلف، لا يعرف كيفية التصدي لمثل هذه المشكلات ومعالجتها، ولا إيجاد الحلول المناسبة لها؛ لأنها تصدر عن سؤال الخير، أكثر مما تصدر عن سؤال الحق والصائب والعادل.

يعتبر الكاتب أن خوصصة القناعات العميقة لها انعكاسات وخيمة من الوجهة البسيكولوجية؛ بحيث تفضي إلى إحداث تمزق لشخصية الأفراد الذين يجدون أنفسهم موزعين ما بين قناعاتهم العميقة من جانب، وما بين شخصيتهم العمومية من جانب آخر.

وفي هذا الإطار يشدد المؤلف على الآثار الوخيمة للحدود المفروضة من قبل العقل العمومي ما بين السياسي والديني، انطلاقا من استدلال ذي طبيعة مآلية. ذلك أن للعقل العمومي في المقام الأول تأثير سلبي على القناعات عينها، بفعل حرمانها من الوضع تحت الاختبار من خلال المواجهة بين المدني والعمومي، فإن القناعات توشك أن تتحجر وتجمد. بل توشك أن تتفكك وتتفتت الأمر الذي سوف يسفر تارة عن ضرب من الشك أو النسبية المعممة ، وتارة عن تصلب وتجمد  الاعتقاد الذي قد يصل إلى حد التعصب .

ووجه الخطورة، هاهنا، يكمن حسب “جون مارك فيري” في تصلب القناعات وما يترتب عنها من دوجمائية عميا. كما أن لخوصصة القناعات من جهة ثانية نتائج سلبية على الاستقرار الاجتماعي.ففي الإطار الليبرالي تجد الدولة مبرر وجودها في عيش مشترك مكفول بجهل متبادل أكثر مما تجده في اعتراف متبادل لقناعات وهويات مواطنيها مع ما ينتج عن ذلك من مخاوف وتوجسات. ذلك أن الصمت والكبت المفروض على القناعات يشكل عامل زعزعة للاستقرار
فجهلنا بالمبررات والاعتبارات والمنطلقات التي يصدر عنها من ينتمون لدين مختلف عن ديننا يجعلنا عرضة لاستسهال اتهامهم بعدم اعترافهم الحقيقي بحرية الضمير والمساواة بين الرجل والمرأة. والحال أن إضفاء بعض المرونة على العقل العمومي من شأنه أن يعزز التفاهم والثقة المتبادلة .

يُكثف هذا الكتاب ويعمّق نظراً وتفكيرا ابتدأه المؤلف منذ عدة سنوات ؛يتعلق الأمر بخيبة الأمل إزاء وعود العقل البشري بأن تحرر الإنسانية وانعتاقها بفضل تطور المعارف تتزامن وتتساوق مع التطلع إلى التآخي والمحبة. ووجه المفارقة أن الدولة الحديثة وإن كانت قوية نسبيا على مستوى الحقوق والعدالة، إلا أنها تعاني من وهن عميق وافتقار شديد إلى قيم التآخي والتسامح والغيرية وقيم التراحم والتضامن، وهو ما يمكن للدين، باعتباره رؤية للعالم ومنظومة للقيم والمثل العليا، أن يسهم جبره.

ففي سياق حديثه عن “عدالة القلب وقف المؤلف مليا عن علاقة الحب بالقانون وأهميتها ليس بالنسبة للأفراد فحسب، وإنما بالنسبة للمؤسسات السياسية كذلك. مؤكدا أن الحب يمثل صيغة للاعتراف أكثر اكتمالا من القانون، وأن الرابطة الأخلاقية القائمة على التعاطف والمودة المتبادلة أرقى من الرابطة القانونية القائمة على الاحترام المتبادل.