الجمعة, نوفمبر 28, 2025
الجمعة, نوفمبر 28, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

الذاكرة الشفوية.. بوصلة التاريخ الجديدة

يواصل الباحث والمؤرخ عبد الأحد السبتي مراكمة الأبحاث، حتى إن أسدل الستار على مسيرته، مدرسا ومحاضرا، بجامعة محمد الخامس في الرباط، إذ أصدر في الآونة الأخيرة كتابا آخر، لا تقل أهميته وفائدته العلمية عن كتبه السابقة منها، على الخصوص، علامتاه البارزتان: “من الشاي إلى الأتاي” و”بين الزطاط وقاطع الطريق”.

والمقصود هنا عمله الضخم الصادر مؤخرا ضمن منشورات المتوسط، بعنوان لافت للنظر هو: “من عام الفيل إلى عام الماريكان: الذاكرة الشفوية والتدوين التاريخي.” ويلتقي القارئ، في هذا الكتاب، مع جملة من المقاربات المنهجية التي تقرأ وتعرض تمثلات الذاكرة الفردية والجماعية العربية عموما، والمغربية، حول الأحداث والوقائع والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

أضف إلى ذلك أن الكتاب تحليل متأن لأبعادها وتأثيراتها في التدوين والكتابة التاريخية، يسنده الكاتب بتقديم نصوص مختلفة، بل وشهادات وتسجيلات لهذه الذاكرة.

يطرح السبتي، في كتابه هذا الذي يقع في 548 صفحة من الحجم المتوسط، إشكالية واضحة تروم دراسة الحدث التاريخي، انطلاقا من العلاقة القائمة بين الذاكرة الشفوية والثقافة المكتوبة. ولعل الدافع إلى هذا الاقتراح الإشكالي تخطي ما انتبه إليه الباحثون في المدرسة الهندية التي تعرف باسم ‘دراسات التابع’.

لقد انتبه رموز هذه المدرسة، من أمثال ‘راناجيت غوها’ و’ديبيش شاكرابارتي’ و’غياتري سبيفاك’، إلى أن معضلة التاريخ الهندي تكمن في أنه يمثل مدونة كولونيالية محضة؛ أي أن التاريخ والثقافة اللذين يدرسان بالمدرسة الهندية هما نتاج رؤية خارجية لا تعكس الذات الهندية إلا في الحدود التي تخدم المشروع الكولونيالي.

من هنا جاء المشروع الفكري والعلمي لرموز هذه المدرسة الرامي إلى إعادة كتابة هذا التاريخ انطلاقا مما سجلته ذاكرة الإنسان الهندي ومروياتها المختلفة. 

ومما لا شك فيه أن هذا الاختيار يمثل المنحى الطاغي فيما يسميه عبد الأحد السبتي بـ’التاريخ الاجتماعي’، ذاك الذي ينطلق من قاعدة الهرم الاجتماعي. غايته من وارء هذا الاختيار، كما يبدو، تجاوز عوائق المقاربات والتحليلات التي تنطلق من الوثيقة التاريخية الرسمية، والتي لا تهتم سوى بالرجال العظام والأبطال الكبار والأحداث البارزة، إلخ.

كما يروم هذا الاختيار الدفع بالبحث التاريخي، بعيدا عن المقاربات البنيوية المتأثرة بالمدرسة الفرنسية أساسا، إلى أفق أرحب يستجلي الحدث والواقعة التاريخيين من مصادر متعددة، بغية الكشف عن بنياتهما وتجلياتهما ودلالاتهما وامتدادات تأثيراتهما التاريخية عبر الزمن. ولعل هذا ما جعل الكاتب يهتم بالذاكرة الشفوية، بمختلف أوجهها وتمظهراتها، ويعتمد على نصوص أخرى، كالنص الأدبي مثلا، بل يعيد الاعتبار لبعض تعبيرات الثقافة الشعبية، كالشائعة والنكتة مثلا.

كما يروم هذا الاختيار الدفع بالبحث التاريخي، بعيدا عن المقاربات البنيوية المتأثرة بالمدرسة الفرنسية أساسا، إلى أفق أرحب يستجلي الحدث والواقعة التاريخيين من مصادر متعددة، بغية الكشف عن بنياتهما وتجلياتهما ودلالاتهما وامتدادات تأثيراتهما التاريخية عبر الزمن. ولعل هذا ما جعل الكاتب يهتم بالذاكرة الشفوية، بمختلف أوجهها وتمظهراتها، ويعتمد على نصوص أخرى، كالنص الأدبي مثلا، بل يعيد الاعتبار لبعض تعبيرات الثقافة الشعبية، كالشائعة والنكتة مثلا.

يقوم هذا الاختيار على وعي بما يسميه السبتي بـ’الظاهرة الاجتماعية الشاملة’؛ أي بانشغال المجتمع بإنتاج رؤى وتصورات وتمثلات عن الأحداث والوقائع السياسية والاجتماعية، بمستوياتها المختلفة، لا من حيث قيام الدول وحركات السلطان فحسب، بل أيضا من حيث الحروب والأوبئة والكوارث الطبيعية وغير ذلك، مع إبراز مساهمة قاعدة الهرم الاجتماعي في هذه الأحداث والوقائع.

والمقصود من هذا أن السبتي لا يهمل الحدث التاريخي في بعده الرسمي- النخبوي إذا صح هذا التعبير-، إذ يسعى تحليله، على الأصح، إلى معالجة مساهمة الفرد والقبيلة- أو المجتمع- والدولة في حصول الحدث وتطوره.

لا يحيل ‘عام البون’ أو ‘عام يرني’ أو ‘عام البقولة’ أو ‘عام البون’، على سبيل المثال، فحسب إلى المجاعات التي عاناها المجتمع المغربي (1945- 1946)، بل أيضا إلى تدبير الدولة لظرفيات اجتماعية واقتصادية طارئة وصعبة، وإلى عواقب الحماية وتحديات الاستعمار والمقاومة، وإلى التحولات الاجتماعية والثقافية العامة في ذلك الوقت، وإلى آثار الحرب العالمية الثانية، إلخ.

كما لا يحيل ‘عام الرفسة’ فحسب إلى الصراع بين القايْد عيسى بن عمر وأولاد زيد على المجال الترابي، بل كذلك إلى طبيعة الحكم المخزني، التي تكشفها بوضوح نصوص الذاكرة الشفوية، من قبيل أغاني خربوشة. ذلك أن سرديات ‘عام الرفسة’ توضح الرغبة في بسط النفوذ من جهة أولى، ومقاومة النفوذ المخزني من جهة ثانية.

من ناحية أخرى، إذا كان تحليل تشابكات الحدث التاريخي خلال فترة الحماية والزمن الراهن يستند إلى تنوع المصادر التي يسمح بها، منذ قرن على الأقل، اتساع دوائر التدوين والكتابة، كالكتابة الأدبية والصحافية، وإمكانيات البحث الميداني، فإن احتمالات إنجازه تتضاءل، كلما ركز الباحث على مرحلة تاريخية موغلة في القدم (وإن كان القارئ سيلاحظ أن السبتي يشتكي، في الصفحة 420، من ندرة الشهادات المكتوبة حول ‘عام الجوع’).

وبالموازاة مع ذلك، تتناقص إمكانية الاعتماد على الذاكرة الشفوية، إن لم نقل إنها تصير نادرة أو شبه غائبة، بالنظر إلى قلة المصادر التي تسجل نظرة الفرد والمجتمع وتمثلاتهما للظواهر الاجتماعية والأحداث التاريخية.

غير أن السبتي استطاع أن يتجاوز هذا العائق، من خلال استنطاقه نصوصا مغايرة، مثل السيرة والقصيدة والزجل (العيطة والملحون) والحكاية والخرافة والأهزوجة والأنشودة والنكتة والأغنية والأمثولة والفتوى وغير ذلك.

وهنا، يرى مؤلف الكتاب أن الثقافة الشفوية-  التي انتقلت بالطبع إلى المكتوب- تكشف، من جهة ثانية، الكثير من العلاقات المتشابكة والمعقدة بين الفرد والمجتمع والدولة، ومن جهة ثانية تسلط الضوء، بطرق خاصة، على السياقات العامة والخاصة التي تحكمت في إنتاج حدث تاريخي ما، وفي تطوراته وتأثيراته.

غير أن اللافت للنظر، في هذا السياق، هو أن السبتي يرى أن الثقافة المغربية الشفوية التقليدية تتسم بخصائص الثقافة المكتوبة، كونها تعبر عن المعيش اليومي، وتتسم في الآن ذاته بالطابع المعياري الذي تتميز به الثقافة المكتوبة. بل إن الثقافتين متداخلتان إلى حد كبير، حسب المؤلف. 

قد يبدو  هذا الموقف غير منطقي، لأنه يعكس تناقضا صارخا، بما أن الثقافة الشفوية تقوم على الاسترسال، بينما تنبني الثقافة المكتوبة على التدقيق والصرامة والتكثيف، فضلا عن مقومات أخرى تغيب كلية في الثقافة الشفوية. لكن لصاحب “التاريخ والذاكرة” ما يبرر هذا المنظور المتسم بالمفارقة.

يقول السبتي في الصفحة 23: “نحن، إذن، أمام اشتغال شفوي للمكتوب، وهي ظاهرة استمرت في المغرب خلال قرون عديدة، حتى بدايات القرن العشرين، من خلال تعليم يرتكز على السماع والذاكرة والرواية والإجازة، وصمدت هذه الأساليب بسبب تغييب الطباعة وندرة الكتاب المخطوط، وتوقف نسبة كبيرة من المتعلمين عند مستوى الكتاب القرآني.”

غير أن الجانب الضمني في اختيار المزاوجة بين الثقافتين يكمن في توسيع دائرة المصادر والمراجع؛ ومن ثمة، إمكانية فتح التحليل على أفق أرحب، عملا بالاقتراحات النظرية للمفكر المغربي الراحل عبد الكبير الخطيبي، الذي أعاد الاعتبار للثقافة الشعبية، بوصفها مدخلا مهما من مداخل تفكيك بنيات التمثل والتفكير والعقلنة.

من هنا، يمكن القول إن كتاب “من عام الفيل إلى عام الماريكان” ليس مجرد “تدوين تاريخي مفصلي يرتكز على الذاكرة الشفوية،” كما جاء في كلمة الناشر، ويتخذ من ظاهرة التدوين بـ’الأعوام’ مدخلا للتنقيب في أحداث ومجالات متعددة، تهم الأوبئة والأمراض والمجاعات والكوارث الطبيعية والحروب والمعارك العسكرية ومقاومات القوى الاستعمارية.

يمثل الكتاب، إلى جانب ذلك، مقاربة نظرية مركبة تعيد الاعتبار للذاكرة الشفوية الغنية بمحكيات وسرديات وتمثلات ومعتقدات عن بعض الأحداث التاريخية البارزة، وتنظر بعين ناقدة إلى المصادر الرسمية المحلية، وتتأمل بعقل متبصر في الكتابات الاستشراقية، الغربية عموما، والفرنسية خصوصا.

وهي مقاربة لا تنبني فحسب على النظريات والمناهج التاريخية المعروفة، بل تعتمد أيضا عُدَّة علمية متنوعة، تتقاطع فيها، إلى جانب البحث التاريخي، علوم إنسانية واجتماعية أخرى، مثل السيوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية والنقد الأدبي وغيرها.

وما يستدعي اللجوء إلى هذه المقاربة المركبة هو طابع الموضوع المتعدد والمتشعب في تعبيراته وبنياته وسياقاته وأبعاده، ناهيك عن أن ظاهرة التأريخ بـ’الأعوام’ تشي بتحقيب فضفاض في كثير من الحالات، مثل ‘عام السيبة’، كما يقول السبتي. 

ولعل الصعوبة تكمن، ختاما، في تقديم دراسة موضوعية في مجال البحث التاريخي المغربي المعاصر، من خلال معالجة قضية التدوين بـ’الأعوام’، اعتمادا على الذاكرة الشفوية، وإن كان هذا الاختيار لا يستكين إليها وحدها، بل يعتمد كذلك على الوثيقة الرسمية، وعلى البحوث التاريخية الحديثة والمعاصرة، وعلى الدراسات الميدانية المختلفة- أو ما يسميه السبتي اختصارا بـ’تقاطعات الذاكرة الشفوية والثقافة المكتوبة’.

 يمكن التمثيل على هذه التقاطعات ببعض الإفادات والشهادات الشفوية، كتلك التي استقاها الباحثان محمد زرنين وحسن رشيق، أو ببعض النصوص الزجلية، مثل قصائد الملحون، أو حتى ببعض النصوص الأدبية المكتوبة التي تتكئ على توظيف الذاكرة بقوة، مثل روايات محمد شكري ومحمد الأشعري، الخ.

لا بد من القول إذاً إن طبيعة الموضوع تقتضي هذا التنوع في المصادر والمناهج، حتى تتحقق عملية تفكيك بنيته الداخلية، وربطها بالسياقات والامتدادات والتأثيرات التاريخية المتعددة، والوصول أخيرا إلى فهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المغرب في كل حقبة، أو في كل دولة.

هكذا، يمكن القول إن مساهمة السبتي هذه هي مساهمة في هدم الطريقة التقليدية للبحث والكتابة التاريخيين، وفي بناء أفق جديد لتلقي الفكر التاريخي.