السبت, نوفمبر 29, 2025
السبت, نوفمبر 29, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

ديون مصر.. المأزق، وطرق الخلاص

 في الذاكرة الجمعية للمصريين، تمثل الديون الخارجية جرحا غائرا، فقد كانت أحد الأسباب الرئيسية للتغلغل الأجنبي في  مصر الحديثة، تحت حكم خلفاء محمد علي الذي يعزى إليه “تأسيس مصر الحديثة”، وبينما تفادى الباشا التوغل الغربي بإصراره على تجنب الاستدانة، مد خلفاؤه بدءا من الخديوي سعيد باشا أياديهم للمقرضين الأجانب لتمويل مشروعاتهم التحديثية، ليتفاقم الأمر في عهد خلفه الخديوي إسماعيل بصورة انتهت إلى فرض الوصاية الغربية على المالية المصرية، وبيع حصة مصر من أسهم قناة السويس، والاحتلال البريطاني لمصر. في السنوات الأخيرة عاد هاجس الدين وما يمكن ان يحمله من تأثيرات على سيادة القرار المصري ليؤرق حاضر المصريين ومستقبلهم، فما هي أسباب تفاقهم المديونية المصرية، وكيف يمكن الخروج منها؟ 

 تشكل الديون الخارجية والمحلية أحد العناوين الرئيسية للأزمة الاقتصادية في مصر.  وفيما يتعلق بالديون الخارجية تتمثل ملامح هذا المأزق في بلوغ ذلك الدين نحو 168 مليار دولار في يناير عام 2024 قبل أن يتراجع إلى 152,9 مليار دولار في نهاية يونيو من العام ذاته بعد استخدام حصيلة بيع أراض لشركة إماراتية في صفقة رأس الحكمة في سداد بعض تلك الديون. وقد بلغ متوسط نصيب المواطن المصري من ذلك الدين نحو 1275 دولار في يونيو 2024.

 وفي عهد مبارك لم يتم اللجوء إلى الديون قصيرة الأجل إلا في أضيق الحدود، نظرا لما تمثله من خطر الاضطرار لسدادها مع فوائدها خلال عام واحد وهي مدة لا تكفي على الأرجح في إنتاج عوائد لسدادها مما يؤدي للتعثر والاستدانة من جديد لسدادها. في المقابل لا تسبب الديون طويلة الأجل وميسرة الفائدة أزمات كبيرة إذا كانت في الحدود الآمنة. لكن ما حدث خلال السنوات العشر الأخيرة هو استسهال غير موفق في اللجوء إلى الديون قصيرة الأجل، بحيث بلغت قيمتها نحو 30,3 مليار دولار في سبتمبر 2023، وانخفضت بعد سداد جزء منها في أعقاب بيع أرض رأس الحكمة إلى 26 مليار دولار في يونيو 2024، وهي توازي نحو 17% من إجمالي الديون الخارجية، علما بأنها كانت مجرد 3,7 مليار دولار في يونيو عام 2014 أي نحو 7,9% من إجمالي الديون الخارجية في ذلك العام. وحتى يونيو عام 2020 كانت الديون قصيرة الأجل تشكل نحو 8,8% من إجمالي الديون الخارجية.

وحتى شهر يونيو من عام 2014 كانت الديون الخارجية تمثل نحو 15,1% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت بشكل كبير لتبلغ 38,8% في يونيو 2024. أما عبء خدمة الديون الخارجية فكان في حدود 7,4% من قيمة صادرات مصر من السلع والخدمات عام 2013/2014، وارتفع ليبلغ 58,8% من تلك الصادرات في يونيو 2024.

وقد بدأ الدين الخارجي لمصر في التزايد كنتيجة مباشرة لعدم تعامل حكومات ما بعد ثورة يناير المغدورة، بخطة طوارئ لمعالجة الوضع الاقتصادي واختلالات الموازين الخارجية والداخلية، أي أنه ناجم بالأساس عن مستوى كفاءة إدارة الاقتصاد والخلل في أولويات الحكومات المتعاقبة التي أدارت الاقتصاد بنفس السياسات القديمة وبقوة الدفع الذاتي في البداية، قبل أن تبدأ في تطبيق أكثر جموحا لبرنامج صندوق النقد الدولي بداية من خريف عام 2016، وهو ما ساهم في مفاقمة الديون الخارجية بصورة غير مسبوقة في التاريخ الاقتصادي الحديث لمصر.

كانت البداية باستنزاف حكومة المجلس العسكري للاحتياطيات الدولية التي انخفضت من 35 مليار دولار في يناير 2011، إلى 15,6 مليار دولار عند نهاية حكم ذلك المجلس في يونيو 2012. صحيح أن الديون الخارجية بلغت عند نهاية حكم المجلس نحو 34,4 مليار دولار، أي أقل قليلا من مستواها في نهاية عهد مبارك، إلا أن ذلك تحقق من خلال استنزاف نحو 19,4 مليار دولار من احتياطات النقد الأجنبي. وخلال السنة التي حكمها الرئيس المعزول الراحل محمد مرسي، ارتفع الدين الخارجي إلى 43,2 مليار دولار في نهاية يونيو 2013، بزيادة نسبتها 25,6% عن مستواه في يونيو 2012.

وخلال العام الذي حكمه الرئيس الانتقالي أو المؤقت المستشار عدلي منصور ارتفع الدين الخارجي بشكل محدود إلى 46,1 مليار دولار في يونيو 2014، وذلك نتيجة المنح التي تلقتها الحكومة في ذلك العام بقيمة 11,9 مليار دولار. ومع بداية عهد الرئيس السيسي، ارتفع الدين الخارجي بشكل محدود إلى 48,1 مليار دولار في يونيو 2015، وارتفع بقوة إلى 55,8 مليار دولار في يونيو 2016، ثم بدأ في القفز مع تطبيق البرنامج الاقتصادي بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي في خريف عام 2016، فارتفع بنسبة 41,6% في السنة الأولى من تطبيق ذلك البرنامج ليبلغ 79 مليار دولار في يونيو 2017، وواصل الارتفاع حتى بلغ المستويات المشار إليها آنفا في عام 2024 بكل ثقلها كنسبة من الناتج وتفاقم عبء خدمتها كنسبة من صادرات السلع والخدمات.

“كعب أخيل” الاقتصاد المصري

 تعاني مصر من فجوة كبيرة بين معدل الادخار المتدني للغاية، ومعدل الاستثمار الأعلى منه كثيرا رغم تدنيه أيضا مقارنة بالمعدل المناظر في العالم عموما وفي الدول النامية على حد سواء. وفي الوقت الذي بلغ فيه معدل الادخار والاستثمار العالميين نحو 26,6% من الناتج العالمي لكل منهما في عام 2023، وبلغ معدل الادخار نحو 32,7% من الناتج في الدول النامية والناهضة، وبلغ معدل الاستثمار فيها نحو 32,2% من ذلك الناتج في العام المذكور، فإن معدل الادخار في مصر بلغ 10,2%، 14,6%، 6,1% من الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام 2021/2022، 2022/2023، 2023/2024 على التوالي. كما بلغ معدل الاستثمار نحو 17%، 16,5%، 13% في الأعوام المذكورة بالترتيب. وهذا يعني أن فجوة الموارد المحلية في مصر بلغت نحو 6,8% عام 2021/2022، ونحو 1,9% عام 2022/2023، وارتفعت مرة أخرى إلى 6,9% من الناتج المحلي الإجمالي المصري عام 2023/2024.  وتلك الفجوة يتم سدها من خلال الاقتراض الذي يراكم المديونية تدريجيا.

يعتبر عجز الميزان التجاري المتواصل منذ خمسة عقود بلا انقطاع، هو “كعب أخيل”، أو نقطة الضعف الرئيسية للاقتصاد المصري. وذلك العجز ناجم عن انخفاض الإنتاج عن الاستهلاك، وبالتبعية قزمية الصادرات بالنسبة للواردات. وقد بلغ مجموع العجز التجاري خلال السنوات العشر من عام 2014/2015 حتى عام 2023/2024 نحو -383,2 مليار دولار. ويضاف إليه العجز الكبير في ميزان دخل الاستثمار والبالغ -106,3 مليار دولار في الفترة ذاتها. وهذا العجز الكبير في الميزان التجاري وميزان دخل الاستثمار، تتجاوز قيمته مجموع تحويلات العاملين في الخارج رغم ضخامتها وإيرادات قناة السويس والسياحة، بما يؤدي في النهاية إلى عجز كبير في ميزان الحساب الجاري الذي يشمل التجارة السلعية والخدمية والتحويلات. وخلال السنوات العشر الأخيرة من عام 2015 وحتى عام 2024، بلغ متوسط العجز في ميزان الحساب الجاري نحو -3,9% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا. والنتيجة الحتمية هي الاستدانة من الخارج لسد هذا العجز في المعاملات الخارجية، مما يؤدي تراكميا إلى تعملق الديون الخارجية بصورة غير مسبوقة في حجمها ومعدلات تزايدها وتكاليف خدمتها.

وقد ساهمت أزمة كورونا في تفاقم الديون الخارجية بسبب تراجع عوائد قطاع السياحة الذي أصيب بالشلل في عام 2020 على الأقل. كما ساهمت حرب الإبادة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بنصيب وافر في تقليص إيرادات قناة السويس من النقد الأجنبي عام 2024 بعد تحويل الشركات العالمية للنقل البحري لناقلاتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح ابتزازا لمصر التي رفضت المشاركة في تحالف مضاد لليمن الذي تدخل لمساندة فلسطين من خلال منع السفن الصهيونية والسفن المتوجهة لميناء أم الرشراش (إيلات) من المرور عبر مضيق باب المندب. والفعل اليمني لم يكن ليؤثر على إيرادات القناة لأن السفن المتوجهة إلى ميناء أم الرشراش (إيلات) تتجه من البحر الأحمر إلى خليج العقبة رأسا ولا تدخل قناة السويس أصلا.

لكن كل تلك الظروف الطارئة تشكل عوامل ثانوية ومؤقتة، ليبقى العجز التجاري وعجز ميزان دخل الاستثمار والتورط غير الموفق في القروض قصيرة الأجل هي العوامل الأساسية في احتياج مصر للاستدانة من الخارج وتفاقم الديون الخارجية.

آليات العلاج 

يمكن القول إجمالا أن مصر تحتاج إلى ترشيد الاستيراد بالذات بالنسبة للسلع الترفية، وترشيد الإنفاق العام عبر تجميد الإنفاق الأسمنتي على البنية الأساسية التي حدث فيها تطور لافت وكافِ في الظروف الحالية، والتركيز بدلا من ذلك على المشروعات الإنتاجية الزراعية والصناعية، وبخاصة الصناعات التي تنتج منتجات بديلة للواردات وفقا لاستراتيجية الإحلال محل الواردات في دورة متكاملة من السلع الاستهلاكية والوسيطة والرأسمالية، والصناعات عالية التقنية، والصناعات الإبداعية عالية العائد في مجالات الموسيقى والفنون الأدائية والبصرية (الفنون التشكيلية، السينما، الدراما والبرامج التلفزيونية) والحرف اليدوية، وصناعة التحف، والتكنولوجيا الإبداعية والبرمجيات، والوسائط الرقمية مثل الألعاب والرسوم المتحركة، والتصميم الجرافيكي، ووسائل الإعلام المقروءة والمرئية والرقمية، والإعلان والتصميم والنشر. وهي بتعبير آخر الصناعات التي تستمد منتجاتها، الجانب الأعظم من قيمتها من مواهب البشر وقدراتهم العقلية والإبداعية، وليس من قيمة المواد المستخدمة فيها، وهي صناعات تمتلك مصر ميزات كبرى فيها من خلال ثروتها البشرية من الموهوبين في المجالات المذكورة، والذين يتم تركهم لتستفيد بلدان أخرى منهم كأساس لصناعاتها الإبداعية!

ويمكن للدولة أن تقوم برعاية عمليات كبرى للاكتتاب العام لبناء مشروعات خاصة يملكها حملة الأسهم ويديرها مديرون تنفيذيون تحت رقابة الدولة وبمشاركة منها لطمأنة مستثمري الأقلية، ويُفَضَل ضمان حد أدنى من العائد لهم من خلال تمليكهم سندات مضمونة لتلك الشركات التي يمكن أن تعمل في مجالات الصناعات الزراعية والمعدنية والكيماوية والمحجرية والعالية التقنية والإبداعية. وضمن آليات معالجة العجز الكبير في ميزان دخل الاستثمار، من الضروري أن تتوقف مصر نهائيا عن قبول الاستثمارات الأجنبية في قطاع العقارات حيث تقوم بتحويل أرباحها للخارج في صورة عملات حرة تستنزف رصيد مصر منها، بينما تتوفر شركات محلية يمكنها أن تقوم بكل النشاطات المحتملة في هذا القطاع بدون استنزاف أرصدة مصر الدولارية.

كما أن مصر تحتاج لأن تعطي السلطات النقدية المصرية الثقة للأسواق بإعلان صريح بأن الجنيه المصري لن يتم تخفيضه مقابل الدولار مجددا لفترة ثلاثة أعوام على الأقل، وذلك لتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية الموجهة للإحلال محل الواردات أو التصدير كضرورة لتحسين الميزان التجاري، لأن تلك الاستثمارات يتم بناؤها على حسابات مستقبلية ولا يمكن ضبطها في ظل عملة مضطربة وسريعة التدهور.  

الديون المحلية

ارتفع الدين العام المحلي من 1816,6 مليار جنيه في منتصف عام 2014، إلى 8312 مليار جنيه في العام المالي 2023/2024 وفقا لمشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي المذكور، وسوف يبلغ نحو 88,2% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام المالي 2024/2025 والبالغ نحو 17 تريليون جنيه مصري، بما يعني أن ذلك الدين سيبلغ نحو 15036 مليار جنيه في العام المالي 2024/2025. أي أن ذلك الدين ارتفع بنسبة 728% خلال الأعوام العشرة الأخيرة.

والديون المحلية ناجمة عن العجز في الموازنة العامة للدولة بالأساس، وعن الفوائد المرتفعة على تلك الديون التي تقترضها الدولة من خلال أذون وسندات الخزانة. وقد بلغ مجموع العجز الكلي في الموازنة العامة للدولة خلال الأعوام المالية من 2014/2015، إلى 2024/2025 نحو 5671 مليار جنيه.

وكان من الممكن للموازنة العامة للدولة أن تقترب من التوازن وربما تتوازن لو كان هناك وحدة للموازنة العامة للدولة تشمل كل الهيئات والشركات العامة المدنية والعسكرية. وكان تقليل العجز ممكنا وربما الاقتراب من التوازن لو حصلت وزارة المالية على إيرادات بيع أراضي العاصمة الإدارية الجديدة، لأنها في النهاية أرض الدولة التي من المفترض أن تدخل إيرادات بيعها لموازنتها العامة. وتبلغ مساحة العاصمة الإدارية نحو 166 ألف و 645 فدان من الأراضي الواقعة جنوب طريق القاهرة-السويس وشرق الطريق الدائري الإقليمي، وتم استخدام أقل من 11 ألف فدان في المرحلة الأولى، وبالتالي لو دخلت إيرادات بيع أراضي المراحل التالية للموازنة العامة للدولة، فإنها يمكن أن تقلل العجز الكلي وربما تصل للتوازن. كما أنه من الممكن تحسين الإيرادات والتوازن لو تم تعديل قانون الضرائب لفرض ضرائب الأرباح التجارية والصناعية على الأنشطة المدنية لشركات جهاز الخدمة الوطنية. وكل ذلك يمكن أن يقلل الحاجة للاستدانة المحلية ويوقف تفاقم تلك الديون.

وفي ظل تعملق الديون الداخلية والخارجية بصورة مكبلة للاقتصاد المصري وللحكومات والأجيال القادمة، قدر مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2024/2025 قيمة مخصصات سداد فوائد وأقساط تلك الديون الداخلية والخارجية بنحو 3441,2 مليار جنيه تعادل نحو 20,2% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر للعام نفسه.

هذه المدفوعات الهائلة لفوائد وأقساط الديون المحلية والخارجية تستنزف الإيرادات العامة والدخل الوطني، وتشكل عاملا مهما في استمرار توليد وديمومة العجز في الموازنة العامة للدولة المصرية والاحتياج للمزيد من الاستدانة من الداخل والخارج بكل الشروط الاقتصادية والسياسية السلبية للاستدانة من الخارج بالذات.

ولا يمكن معالجة العجز في الموازين الخارجية بإجراءات نقدية فقط، مثل التخفيضات المتتالية لسعر صرف الجنيه المصري، وغالبيتها غير منطقية أصلا وبعيدة عن سعر تعادل القوى الشرائية وفقا لصندوق النقد الدولي نفسه، بل يأتي الحل من الإجراءات التي أوردناها سابقا كآلية لمعالجة الديون.