السبت, نوفمبر 29, 2025
السبت, نوفمبر 29, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

مصير فيلمين عن محنة الفلسطينيين: تكريم في الأوسكار وحذف من BBC

يذكرنا مصير فيلمين وثائقيين عن المعاناة الفلسطينية، أحدهما عن الضفة الغربية والآخر عن غزة، بالمعركة المتغيرة للهيمنة على سردية التاريخ، وهي المعركة التي طالما لازمت الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ففي الثالث من شهر مارس في لوس أنجلوس، فاز الفيلم الوثائقي “لا أرض أخرى”، وهو إنتاج إسرائيلي- فلسطيني مشترك، بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي، لتصويره الحي لما ترتكبه إسرائيل من معاملة قاسية وتطهير عرقي لأكثر من 1,000 من سكان “مسافر يطا” على الحافة الجنوبية للضفة الغربية المحتلة.

ويعد هذا أول فوز مشترك لفلسطين في الأوسكار، وربما يغري البعض باعتباره علامة فارقة جديدة في وصول السردية الفلسطينية إلى الثقافة الغربية السائدة. على الجانب الآخر، وبعد ست وثلاثين ساعة في لندن، كان كبار مسؤولي هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) يشرحون لنواب البرلمان البريطاني، سبب سحب ووقف عرض فيلم وثائقي آخر عن معاناة الأطفال الفلسطينيين بعد شكاوى من مسؤولين إسرائيليين وحلفائهم الأقوياء. لم يكن السبب أي انحياز مؤيد للفلسطينيين في الفيلم المستقل “غزة: كيف تنجو من منطقة حرب”، بل هو عدم الإعلان عن هوية أحد الشخصيات في الفيلم – وهو صبي يبلغ من العمر 13 عامًا كان والده يعمل في حكومة غزة التي تقودها حماس- رغم أن ذلك لم يكن له أي تأثير واضح على محتوى الفيلم.

يروي الفيلم الفائز بالأوسكار كيف أن الاحتلال الإسرائيلي، وعلى مدار أربع سنوات، يثقل كاهل مجتمع فلسطيني ريفي يعيش في منطقة زراعية لكنها استراتيجية، ليتم في النهاية طرد السكان من منازلهم ومصادر رزقهم التي ضمنت بقاءهم أحياء على مدى أجيال. ادّعى الجيش الإسرائيلي أنه يريد إخلاء المنطقة لاستخدامها كمنطقة تدريب عسكري، لكن الحقيقة التي يكشفها الفيلم في نهايته- وكما هو متوقع- هي أن الخطة هدفت منذ البداية لحرمان الفلسطينيين من أرضهم.

لقد وثّقت العديد من الأفلام الوثائقية قمع إسرائيل للفلسطينيين من قبل، لكن فيلم” لا أرض أخرى أضاف عنصراً يراه الكثيرون السبب وراء فوزه بجائزة الأوسكار وعدد من الجوائز الأخرى خلال العام الماضي. أحد أبطال الفيلم، باسل عدرا، هو فلسطيني وناشط مؤثر من “مسافر يطا”، بينما الآخر، يوفال أبراهام، هو صحفي إسرائيلي وناشط في حركة التضامن مع الفلسطينيين، يساعد في توثيق هدم المنازل، وعنف المستوطنين اليهود، وممارسات الفصل العنصري، وهو يناضل إلى جانب باسل.

في الفيلم، تبدو صداقة باسل ويوفال مليئة بالتحديات القدرية، وإن كانت تنطوي على بعض اللحظات المحرجة، حيث تتطور منذ لقائهما الأول لتوثيق هدم منزل فلسطيني في عام 2019. (لكن بالصدفة ومن أجل غرض الفيلم الوثائقي، تم تصوير تلك اللحظة بواسطة المخرجة الإسرائيلية المشاركة في الفيلم راحيل تسور). ينتهي الفيلم عندما تتصاعد مذابح المستوطنين المسلحين في أعقاب 7 أكتوبر، مما يجعل النشاط السلمي مستحيلاً. في المشاهد الأخيرة المفجعة، يحزم مئات من سكان مسافر يطا أمتعتهم ويرحلون. خطة باسل لمقاومة عمليات الطرد عبر حشد الدعم الدولي واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي أثبتت عدم جدواها أمام عدو بهذه القوة والوحشية. الآن، مع فوزه بالأوسكار، وصل صوته إلى جمهور واسع بشكل غير مسبوق، لكن ما الفائدة التي تعود على السكان المهجرين؟

في مواجهة هذا الفشل، يثار التساؤل حول جدوى وجود شخصية “الإسرائيلي الجيد” في الفيلم، خاصة وأن يوفال لم يكن له أي تأثير عملي على النتيجة. هل كان وجوده ضرورياً ليمنح باسل نوعاً من القبول أمام جمهور عالمي، يخفف من كونه “الآخر الفلسطيني”؟ هل كان للفيلم أن يفوز بجوائز دولية من دون يوفال؟ باستثناء الإشارة إلى دراسته للغة العربية، لا يتناول الفيلم دوافع وجوده-إنه هناك لمجرد أنه هناك- ومع ذلك، فإنه يساعد في تجسيد الامتياز الذي يتمتع به اليهود الإسرائيليون مقارنة بالفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال. قد يجادل بعض النقاد بأن مشاركته تعزز الرؤية الصهيونية الليبرالية، التي تروج لفكرة أن “ليس كل الإسرائيليين سيئين”، وأن على الفلسطينيين التخلي عن نضالهم والتكيف مع أحفاد من سرقوا وطنهم وطردوهم من أراضيهم عام 1948.

بعد حفل الأوسكار، تداولت عدة حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي هذا المقطع من كتاب “ضحايا مثاليون” للكاتب الفلسطيني محمد الكُرد:

خذوا على سبيل المثال نوعية الأفلام التي يصنعها الإسرائيليون والفلسطينيون معًا. يُرافق الإسرائيلي صانع الأفلام الفلسطيني كزميله الموثوق إلى المهرجان، ويُسمح له بالصعود إلى المسرح كظل كاريزمي… [نحن] نتنصت على محادثة محرمة، مصالحة مثيرة بين القاتل والمقتول. تصبح المناقشات حول الفيلم، والمراجعات، وطريقة الترويج له، وحتى حماسنا عند الحديث عنه فيما بيننا، كاستمناء لفظي، تختزل الفيلم إلى كونه مجرد تعاون بين إسرائيلي وفلسطيني، مما يحقق للمشاهد خياله عن نهاية سعيدة لقصة بائسة. نحن نحوله إلى شيء يُشبه الفِتش.

السردية الفلسطينية تكسب أرضا جديدا رغم "انتقادات" الحضور الإسرائيلي
السردية الفلسطينية تكسب أرضا جديدا رغم “انتقادات” الحضور الإسرائيلي

لم يكن الكُرد يكتب عن “لا أرض أخرى” تحديدًا، لكن المقطع أثار جدلًا حادًا بين الحسابات المؤيدة لفلسطين على الإنترنت. بعضهم أشاد بخطاب قبول أبراهام للجائزة أمام الملايين حول العالم، حيث أدان “تفوق العرقية الإسرائيلية” وعدم المساواة في “نظام حيث أنا حر بموجب القانون المدني، بينما باسل خاضع للقانون العسكري الذي دمر حياته.” في المقابل، أشار آخرون إلى أن أبراهام ضمّن خطابه دعوة ضمنية لحماس للإفراج عن الرهائن الإسرائيليين الذين “تم اختطافهم بوحشية في جريمة 7 أكتوبر”. وتساءلوا: لماذا يجب أن يُشوّه الخطاب الفلسطيني النقي لفيلم “لا أرض أخرى” بحديث يركز على نقطة إسرائيلية لا علاقة لها بالفيلم؟ وإذا كان من المهم ذكر الإسرائيليين المحتجزين في غزة، فلماذا لا يُشار إلى الآلاف من الفلسطينيين المعتقلين (بشكل غير قانوني وفق قوانين الحرب والاحتلال) في ظروف مروعة داخل السجون الإسرائيلية؟

لقد شهدت الأشهر الثمانية عشر الماضية خطابا إسرائيليا متزايدا عن تنفيذ “نكبة ثانية” ضد الفلسطينيين. وقد دفع سلوك إسرائيل وخطابها العديد من الغربيين إلى إعادة النظر في مواقفهم الإيجابية السابقة تجاه فكرة الدولة اليهودية، خاصة مع تزايد الوعي حول حقيقة تأسيس إسرائيل عام 1948. كذلك، تشدد الرأي العام العربي ضد إسرائيل، حيث يتناقص عدد من  يعتقدون أن حل الدولتين ممكن أو مرغوب فيه. من هذا المنطلق، أثار مشهد الصهيوني الليبرالي يوفال أبراهام على المسرح إلى جانب باسل عدرا جدلًا في المعسكر المؤيد لفلسطين، تمامًا كما أثار منح الفيلم جائزة الأوسكار غضب المعسكر المؤيد لإسرائيل.

وهكذا نصل إلى القصة المؤسفة الخاصة بـ بي بي سي، التي عرضت ثم حذفت من على منصتها فيلم “غزة: كيف تنجو من منطقة حرب”. عندما تم عرض الفيلم الذي أخرجه جيمي روبرتس ويوسف حماش في 17 فبراير الماضي، كانت مفاجأة لكثيرين من منتقدي تغطية بي بي سي ، إذ بدا أخيرًا أن المؤسسة قدّمت عملًا يسلط الضوء على الجانب الإنساني للضحايا الرئيسيين في غزة المدمرة: الأطفال الفلسطينيون. الفيلم يوثق حياة أبطاله الصغار، آمالهم ومخاوفهم، لتشعر بمحبتهم وكأنهم أطفالك. شخصيتي المفضلة هو زكريا، متطوع في استقبال سيارات الإسعاف بوحدة الطوارئ في أحد المستشفيات، يشهد زكريا بعينيه أهوالًا تفوق الوصف، ومع ذلك، يحتفظ بروح المرح الشقية التي تميز طفلًا في الحادية عشرة من عمره، رغم الغبار والدماء التي تغطيه. لن يمكنك إلا تمني سلامتهم جميعًا والصلاة من أجل نجاتهم. وعلى عكس الفيلم الفائز بالأوسكار، لا يوجد أي تمثيل بشري لإسرائيل في الفيلم، بل فقط الصوت والصورة العنيفة التي تملأ المشاهد: القنابل، المقاتلات الحربية، الجروح، إطلاق النار، الطائرات المُسيّرة، المروحيات، ورسائل صوتية تأمر المدنيين بالفرار.

حفل الأوسكار وتكريم صناع فيلم "لا أرض أخرى"
حفل الأوسكار وتكريم صناع فيلم “لا أرض أخرى”

بمجرد عرض الفيلم، شرعت آلة الضغط الإسرائيلية في حالة استنفار فوري لتقويض مصداقيته. وُجهت اتهامات له بعدم التوازن لأنه ركّز فقط على الفلسطينيين، فيما اشتكى آخرون من الترجمة، حيث لم يُترجم المصطلح الفلسطيني المعتاد للإسرائيليين، اليهود، بنفس الكلمة “اليهود”، بزعم أن ذلك كان محاولة لإخفاء مدى “معاداة السامية” لدى سكان غزة. لكن الضربة القاضية جاءت مع اكتشاف أن والد الراوي الصغير للفيلم، عبد الله اليازوري، يعمل نائبًا لوزير الزراعة في حكومة حماس. وصف المشتكون الدكتور أيمن اليازوري بأنه “قيادي إرهابي”، رغم أن سيرته الذاتية لا تشير إلا إلى خبرة تكنوقراطية بحتة، بما في ذلك حصوله على الدكتوراه من بريطانيا وعمله سابقا في حكومة الإمارات. ومع ذلك، فإن عدم كشف صانعي الفيلم عن هذه المعلومة قبل البث، قدم الذريعة اللازمة لسحب الفيلم. احتفل منتقدو الفيلم بذلك، لكن رسالة موقعة من أكثر من 800 فنان وشخصية إعلامية أُرسلت إلى رؤساء ” بي بي سي”، طالبت بإعادة بث الفيلم الوثائقي.

لطالما ساهمت صحافة بي بي سي، وبكثير من الأمثلة، في الخطاب الإعلامي الذي يعمل على تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم في مقابل إضفائها الطابع الإنساني على نظرائهم الإسرائيليين. المثال التقليدي على ذلك هو ميل بي بي سي إلى استخدام مصطلح “يموت” عند الحديث عن الفلسطينيين في “اشتباكات”، بينما تصف نفس الحادث عندما يتعلق بالإسرائيليين بأنهم “يُقتلون”  )أو أحيانًا “يُذبحون بوحشية”(. في وقت مبكر من الحرب، قدمتُ شكوى ناجحة ضد عنوان خبر نشرته بي بي سي حول مجزرة ارتكبتها إسرائيل بحق عائلة فلسطينية، حيث كان العنوان: في مخيم لاجئين بغزة، أب ينجو بعد زوجته وأطفاله الأربعةينجو! . ما كان أشد إزعاجًا هو الجهد المتعمد الذي بذلته بي بي سي لرواية قصص الضحايا الإسرائيليين، بينما غالبًا ما تعامل الضحايا الفلسطينيين (واللبنانيين) الأكثر عددًا مجرد أرقام بلا أسماء. لذلك، كان من المريح أن نشهد إنتاجًا مدته 59 دقيقة يعكس هذا الاتجاه بطريقة مؤثرة ومُقنعة، ولو لمدة يومين فقط قبل أن تحذفه بي بي سي!

بطبيعة الحال، ولأننا في عام 2025، فإن  قيام بي بي سي بحذف الفيلم من تطبيقها Iplayer ساهم في الترويج له بدلاً من منع الجمهور من مشاهدته. فقد تم تحميل الوثائقي على العديد من منصات البث، وربما حصد جمهور مشاهدين أكبر من ذلك الذي كان سيشاهده على بي بي سي. ولكن من حيث المبدأ، يمكن مقارنة طريقة التعامل معه، افتراضيًا، بفيلم وثائقي يظهر فيه طفل إسرائيلي تربطه صلة عائلية غير معلنة بمسؤول إسرائيلي متورط في إبادة غزة- هل كان سيتم سحب مثل هذا الفيلم إذا اشتكى الفلسطينيون؟ هل كان الوزراء سيتدخلون كما حدث في هذه الحالة؟  على كل حال فإن، بي بي سي تسمح لمراسليها بمرافقة جيش متهم بالإبادة الجماعية، وتوفر منبرًا لمجرم الحرب بنيامين نتنياهو، المطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية منذ 21 نوفمبر 2024. أحيانًا تجعل هذه المعايير المزدوجة الوضع أشبه بالمهزلة.

الجدل حول أحدث وثائقيات بي بي سي عن غزة ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأحداث المشابهة عبر السنين، ما يعكس الجهود المكثفة للسيطرة على السرديات المؤيدة لفلسطين باعتبارها عنصرًا أساسيًا في الصراع. في نهاية عام 2024، ضخت إسرائيل 150 مليون دولار إضافية في مشاريع هاسبارا (الدبلوماسية العامة)، في خطوة فُسرت على أنها دليل على الذعر المتزايد من تآكل هيمنة سرديتها السابقة. ولكن فوز فيلم “لا أرض أخرى بجائزة الأوسكار، حتى وإن كان إنتاجًا مشتركًا بين “القاتل والمقتول”، كان أمرًا لا يمكن تصوره قبل أكتوبر 2023 وتداعياته، مما يظهر مدى التحول الذي طرأ على المشهد خلال عام ونصف.