السبت, نوفمبر 29, 2025
السبت, نوفمبر 29, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

حسابات “النصر” و”الهزيمة” في اتفاق غزة

اشتبك كثيرون، فور الإعلان عن وقف إطلاق النار وبدء هدنة جديدة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة، حول الإجابة على سؤال: من انتصر؟ ومن انهزم؟ وشحذ كل طرف إمكاناته في الوصف والتحليل، مستعيدًا الآثار المباشرة المترتبة على حرب ضروس استمرت أربعمائة وسبعين يومًا، خلفت وراءها دمارًا هائلًا ودمًا غزيرًا، وأعادت هندسة بعض المعادلات التي كانت سائدة على مدار عقدين من الزمن تقريبًا.  لكن السجال الأهم يجب أن يكون حول المآلات الأبعد لهذه الحرب.

ابتداء فهناك قاعدة راسخة تقول: “المقاومة طالما لم تستسلم فهي لم تنكسر، والجيش النظامي طالما لم يحقق أهدافه المعلنة فهو لم ينتصر.” وهنا تنهمر الأسئلة الفرعية: عن أي نصر تتحدث المقاومة في ظل تدمير شبه كامل لقطاع غزة؟ وفي المقابل: عن أي نصر تتحدث إسرائيل وهي اضطرت في النهاية إلى قبول ما كان يمكن أن تحصل عليه قبل شن حرب برية على القطاع؟ وكيف لها أن تغفل الآثار الجارحة التي خلفتها الحرب على صورة جيشها، وعلاقته بالمجتمع، وتعميق الخلاف السياسي والعقدي في صفوف نخبتها؟

في الأيام الأولى لانطلاق “طوفان الأقصى” تحدث نتنياهو عن “حرب وجود” فيما كانت المقاومة تتبني أيضًا تصورًا حديًا مضادًا حول “حرب التحرير”، لكن الأمور لم تنته إلى أي من هذين الخيارين، فلا إسرائيل أجهزت على المقاومة، وطردت الفلسطينيين، وصفت قضيتهم تمامًا، ولا المقاومة تمكنت من تحرير شيء من الأرض المحتلة.  

ربما خُلقت الآن معادلة جديدة لردع متبادل، فالكلفة الكبرى للحرب ستجعل الطرفين في قابل السنوات في تحسب وحذر شديدين حيال استسهال شن حرب، لاسيما بعد أن ثبت تغير المعادلات التقليدية عند المقاومة الفلسطينية حول تحمل إسرائيل لحرب طويلة الأمد، وعند إسرائيل حول استحالة إعادة احتلال غزة والبقاء فيها، وبناء مستوطنات هناك.

لا يجب أن ننسى هنا أن السجال حول النصر والهزيمة لا يخلو من أغراض لا علاقة لها بتوصيف ما جرى، أو الوقوف على نتائجه الحقيقية الآن، وفي المستقبل المنظور، وعلى المدى البعيد، إنما هي محض دعايات تتدثر بها أنظمة حكم عربية لا يروق لها انتصار المقاومة، إما اعتراضًا على هويتها السياسية والفكرية وخوفًا منها، أو لحرج بالغ يطال هذه الأنظمة أمام شعوبها حين تكشف المقاومة عجزها عن مواجهة إسرائيل، ووهن تبرير ذلك بخلل في ميزان القوة في ظل الدعم الغربي اللامحدود الذي تتلقاه إسرائيل من الغرب.

نعم قلمت إسرائيل أظافر المقاومة في لبنان وغزة، وسقط نظام بشار الأسد في الطريق، كنتيجة للحرب، وخرجت إيران من سوريا، بينما كان وجودها هناك تراه إسرائيل خطرًا داهمًا عليها، لكن هذا كله قد لا يخرج عن طريقة “جز العشب” التي تتبعها إسرائيل ضد المقاومة، وشنت لهذا من قبل أربع حروب على غزة.

لا ينكر أحد أن الجز هذه المرة كان أكثر عمقًا وتأثيرًا، لكن كل ما جرى من تدمير وقتل ليس بوسعه إنهاء إمكانية إنبات المقاومة من جديد، لأنها لم تخسر مكانها، ولم تفقد الحاضنة الشعبية لها، ولم تتخل عن أهدافها، وأظهرت قدرة على تولي زمام الأمر في قطاع غزة، فور توقف القتال.

قبل شهور طًرح تصور عن هدنة لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتنياهو رفضه تمامًا، وها هو قد عاد الآن وقبله، إما بضغط شديد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد تيقنه من عجز الجيش الإسرائيلي عن تحقيق نصر ساحق، أو لأنه استيأس من إجبار المقاومة الفلسطينية على الاستسلام، لكنه لا يستطيع أن يتجاوز إخفاقه في تحقيق الأهداف الفرعية أو الصغرى، ومنها تخليص الأسرى الإسرائيليين عنوة من يد المقاومة، أو هدفه الكبير وهو “استئصال حماس”، ثم إجبار أهل القطاع على الهجرة القسرية إلى مصر، توطئة لتصفية القضية الفلسطينية برمتها، بعد إخراج أهل الضفة الغربية أيضًا إلى الأردن.

كما ستعاني غزة لسنوات من آثار الحرب المدمرة، ستعاني إسرائيل أيضًا من فقدان “الصورة الناصعة” التي سوقتها للعالم عن نفسها بوصفها دولة ديمقراطية وسط دول تديرها نظم مستبدة، بعد اتهام جيشها بارتكاب “إبادة جماعية” في قطاع غزة. وستعاني إسرائيل كذلك من ارتداد الحرب على داخلها الواقف على حافة الاضطراب الاجتماعي، والذي يصل إلى حد ترديد البعض مصطلح “حرب أهلية” من جديد على ما يتوقعون حدوثه في إسرائيل مستقبلًا.

في المقابل ربح الفلسطينيون معركة الصورة، وهي رغم الدمار والدماء والألم المفرط تعطيها قوة لصالحهم، كما ربحوا إجابة على سؤال تاريخي كان محض افتراء، لكنه ظل يحمل حجية عند من لا يبذل جهدًا في التدقيق والتمحيص ولدى من يتعمد ممارسة دعاية مضادة للحق الفلسطيني، ويدور أساسًا حول اتهام الفلسطينيين بأنهم باعوا أرضهم قبل قيام إسرائيل عام 1948. فقد أثبت شعب غزة أنه مستعد لتقديم تضحية، غير مسبوقة في التاريخ، في سبيل البقاء في المكان.

الدمار الذي ألحقته إسرائيل بغزة يتطلب عقودا لإصلاحه
الدمار الذي ألحقته إسرائيل بغزة يتطلب عقودا لإصلاحه

هل أعاد نتنياهو تشكيل الشرق الأوسط؟

يمكن لنتنياهو، أو حتى من يأتي بعده، ألا يلتفت لمعادلة الخسائر والمكاسب الجزئية والصغرى، ويذهب مباشرة إلى التصور الأكبر، حول إقامة “شرق أوسط جديد” تكون إسرائيل مركزه وقائده، وهو ما تحدث عنه نتنياهو بالفعل عند إعلان وقف إطلاق النار مع المقاومة اللبنانية، وقبيل تمكن الجيش الإسرائيلي من تدمير مقدرات الجيش السوري فور سقوط نظام بشار الأسد، ثم تقدمه لاحتلال أجزاء من سوريا.

اليوم، يمكن أن تدخل دول عربية جديدة في حيز التطبيع مع إسرائيل، بعد توقف الحرب، وتجر دولًا أخرى كانت تصنف ضمن محور الممانعة مثل سوريا ولبنان إلى تفاوض في سبيل خروج الجيش الإسرائيلي من أرضها، ما يفتح الباب أمام توقيع اتفاقيات سلام جديدة، لكن هل هذا يجعل تل أبيب بالضرورة على أبواب حلمها التاريخي بقيادة “شرق أوسط جديد”، أو حتى الوقوف مع دول عربية في مواجهة إيران؟

الإجابة التي تأتي للوهلة الأولى، هي أن بوسع نتنياهو أن يسوق هذا إلى الداخل الإسرائيلي ليخفف من وطأة ما تراه المعارضة هناك إخفاقات شديدة لحكومته في حرب غزة، إلا أنه لا يضمن تحقيق هذا في المستقبل، ليس لأن مستقبله هو كرئيس للوزراء غير مضمون، وأنه سيرحل عاجلًا أم آجلًا، إنما لأن العملية برمتها لا يوجد ما يجعل تحققها حتميًا.

فهذا التصور سبق أن طرحه شيمون بيريز في لحظة انتشاء، وقت أن كان يظن أن الأمور قد دانت لإٍسرائيل. ورغم أنه جعل السبيل إليه ناعمًا، أي عبر العلاقات الاقتصادية والثقافية، فإن هذا لم يتحقق، بل استمرت إسرائيل تشكو من سلام بارد مع الشعب المصري، وفاتر مع أغلب الشعب الأردني، ولم تكف المقاومة الفلسطينية واللبنانية عن المناكفة والمنازعة بما تيسر لها من قوة، ولم تكف إسرائيل عن الاعتداء على الشعب الفلسطيني بما تملكه من قوة مفرطة، بما جعل شبح الحرب يظل قائمًا، حتى في غمرة الحديث عن سلام وتطبيع بين تل أبيب وبعض عواصم الدول العربية.

وحتى الدول العربية المرشح تطبيعها مع إسرئيل في قابل الأيام قد لا تنطوي بالضرورة ضمن تصور نتيناهو عن الشرق الأوسط، فهذه الدول لها مشروعاتها التي تتناقض في بعض الجوانب مع المشروع الإسرائيلي، ولديها طموح يبدو في إدراك قادتها أكبر من أن يجعلوا دولهم مجرد مدماك جديد في البناء الإسرائيلي الافتراضي أو المتوهم عن قيادة الشرق الأوسط.

والآن، هل يمكن أن يحقق نتنياهو عنوة ما أخفق بيريز عن تحقيقه بالتحايل؟

والإجابة التي تأتي للوهلة الأولى أيضًا هي: لا. فالمقاومة الفلسطينية تعمدت بالدم، وتجذرت أكثر وسط الركام، وأتوقع أن تقوى شوكتها في الضفة الغربية. والمقاومة اللبنانية، وإن أصيبت بجرح غائر، فإنها، إن لم تطعن من داخل لبنان، بوسعها أن تتعافى، وهي حتى إن لم تتمكن من استعادة كامل قوتها قريبًا، فهي لا تزال تمتلك من القوة ما يجعل إسرائيل عاجزة عن فعل ما تريد في الساحة اللبنانية، ولو أرادت إسرائيل إبقاء جيشها في شريط حدودي داخل أرض لبنان، فإن هذا سيعطي المقاومة حجية للتصدي من جديد، وقد يجعل اللبنانيين، أو أغلبيتهم الكاسحة، تلتف حولها، لاسيما إن تم تنسيق هذا مع الجيش اللبناني، وبموافقة المؤسسات اللبنانية الرسمية.

على الجانب الآخر فإن إسرائيل لا تنكر مخاوفها ممن تولوا الحكم في دمشق، لاسيما أنها تتوقع أن يبدأ هؤلاء بمطالبة الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من الأرض التي توغل فيها عقب سقوط نظام الأسد، وهنا سيكون أمامها طريقان: إما أن تأخذ أحمد الشرع ومن معه إلي تفاهم قد يكون بداية دخول في تفاوض تأمل إسرائيل أن ينتهي بتوقيع اتفاق سلام، دون تنازلها عن الجولان التي أعلنت ضمها، وإما أن تكون في مواجهة فصائل مسلحة. فحتى لو أعاد حكام سوريا الجدد بناء الجيش فإن خبرتهم ترجح أن يزاوجوا بين حرب نظامية وحرب عصابات ضد إسرائيل إن شرعوا في تحرير أرضهم، لاسيما إن قام ضغط داخلي على الشرع بألا يصمت حيال احتلال جزء جديد من سوريا.

وحتى لو كانت إسرائيل تراهن في بناء تحالف مع دول عربية ضد إيران، فليس هناك ما يمنع طهران من اتخاذ خطوات أوسع في اتجاه تفاهمات واتفاقات من دول عربية خليجية، لاسيما أن دول الخليج تدرك تمامًا، حسبما ظهر من تصرفها وقت تبادل القصف بين إيران وإسرائيل، أن انخراطها مع تل أبيب في مواجهة إيران سيلحق بهم ضررًا هم في غنى عنه، ولا يجدون أي داع له.

من المستجدات أيضًا، أنه لا يمكن لإسرائيل إنكار أن هناك لاعبًا قويًا أظهر رغبته في ممارسة دور إقليمي قوي وهو تركيا، بما قد يدخل أنقرة مباشرة في منافسة إسرائيل على النفوذ، أكثر من أي وقت مضى، ما يعني أن تصور تل أبيب عن قيادة الشرق الأوسط لن يكون عملية منفردة ويسيرة.

يبقى العامل الأهم وهو أن الحرب الأخيرة عمقت الثأر لدى الفلسطينيين، وجعلت فريقًا معتبرًا منهم يؤمن بالكفاح المسلح، وقد تجد تل أبيب نفسها في قابل السنوات لا تواجه “حماس” في غزة وحدها، إنما في الضفة الغربية أيضًا. ومع القدرة الظاهرة للفلسطينيين على الصمود، يبقى “مشروع المقاومة” يشكل تحديًا لتصور إسرائيل عن “شرق أوسطية” ترغب في فرضها عنوة، لكن تظل دومًا مساحات غير مأهولة، بل وعرة، بين الرغبة والقدرة.