الثلاثاء, نوفمبر 25, 2025
الثلاثاء, نوفمبر 25, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

سوريا بدون حكم آل الأسد…ثم ماذا؟

بعيد اندلاع الاحتجاجات الشعبية السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد في أواسط آذار من عام ٢٠١١، طرح السوريون على أنفسهم، كما طرح العالم عليهم، أسئلة متشابكة حول مستقبل البلاد وشكل الحكم والدستور والعلاقات الأهلية فيها وثقافتها وعلاقاتها بدول الجوار والعالم وغيرها.

بقيت تلك الأسئلة حاضرة بشكل أو بآخر على مدى السنوات الثلاث عشرة السابقة، وإن تغيرت طبيعتها حيناً، وتراجع الاهتمام بها حيناً آخر، مع تعقد الأزمة السورية ووصول عنف النظام إلى مستويات غير مسبوقة وانسداد أفق التغيير وصعود الحركات الجهادية وتعدد اللاعبين الإقليميين والدوليين في الملف السوري.

وفي السنوات القليلة الماضية، بدا أن هذه الأسئلة لم تعد مطروحة على نطاق واسع، خاصة مع استعادة النظام السوري، بدعم إيراني وروسي، السيطرة على مساحات واسعة كانت في قبضة المعارضة، ثم مع بدء مسيرة متعرجة لإعادة تعويم بشار الأسد والتطبيع معه إقليمياً ودولياً، وبدا أن تغيير النظام السوري ليس على أجندة أحد، باستثناء مجموعات من المعارضة السياسية والعسكرية المتفرقة وغير القادرة أساساً على فعل ذلك.

لكن هذا المشهد تغير بشكل كامل، فالنظام انهار بصورة مفاجئة إثر تطورات عسكرية متسارعة بدأت في السابع والعشرين من نوفمبر- تشرين الثاني الماضي وبلغت ذروتها بهروب بشار الأسد وسقوط العاصمة دمشق فجر الثامن من الشهر الحالي، فعادت تلك الأسئلة المطروحة على السوريين لتفرض نفسها وبصورة أكثر إلحاحاً.

انفراد أم مشاركة؟

ويحتل مركزَ الصدارة بين هذه الأسئلة والقضايا شكلُ وطبيعةُ النظام الذي سيحكم سوريا مستقبلاً، وفيما إذا كانت هيئة تحرير الشام التي تصدرت المعركة الأخيرة الحاسمة ضد قوات الأسد هي من ستقطف ثمار نضالات ومعارك وتبدلات خاضها ملايين السوريين طيلة سنوات الثورة، أم أنها ستقود عملية تحول تتضمن تمثيلاً وإشراكاً لجهات أخرى، سياسية واجتماعية. وأتى القرار بتكليف حكومة الإنقاذ التي كانت تدير محافظة إدلب وبعض مناطق ريف حلب الخاضعة لسيطرة الهيئة بتسيير أمور الحكومة الانتقالية لمدة ثلاثة أشهر كمؤشر على توجه الهيئة نحو التفرد والسيطرة، بينما يزيد غياب أي تصريح قطعي وواضح عن ماهية الدور الذي سيلعبه مستقبلاً قائد الهيئة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) من الشكوك على هذا الصعيد، بينما لم يُسمع أي كلام جدي حول الدعوة لمؤتمر وطني عام مثلاً أو حوار سوري يضم مختلف القوى السياسية والأهلية. وما يزيد طين أي تفرد للهيئة بالحكم بلة أنها مدرجة على قوائم الإرهاب وفق قرار لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، وهي كذلك على لائحة واشنطن للمنظمات الإرهابية.

إلا أن جهات أخرى متعددة، سياسية ومدنية، بدأت ترفع صوتها مطالبة بمسار مغاير، يقوم أساساً على قرار الأمم المتحدة ٢٢٥٤ الصادر عام ٢٠١٥ وينص على انتقال سياسي شامل في سوريا. بيد أن تنفيذ هذا القرار قد يحتاج توافقاً دولياً مرفقاً بضغوط صارمة على قوى الأمر الواقع من جهة، وواقعاً ميدانياً مختلفاً من جهة ثانية، وهو ما لا يبدو متوفراً اليوم.

وإلى جانب الأصوات السياسية والمدنية، تبرز قوى أمر واقع مسلحة، تتوجس بدورها من هذا النفوذ الكاسح لهيئة تحرير الشام وبالأخص من صعود نجم قائدها الشرع. في مقدمة هذه القوى، تأتي فصائل “الجيش الوطني” المدعومة من أنقرة والفاعلة في مناطق بالشمال السوري، وقد يكون ابتلاع الهيئة لهذه الفصائل مهمة ليست بالعسيرة. أما في أقصى الجنوب السوري، وتحديداً في محافظة درعا تنشط مجموعات عسكرية متفرقة أبرزها ما يعرف بالفيلق الخامس الذي حافظ بموافقة روسية، على جزء من قوة المعارضة السورية للأسد جنوباً، ومجدداً، قد تجد الهيئة طريقها للسيطرة على هذه المنطقة رغم بعض المطبات وضم هذه المجموعات تحت جناحها، وخاصة في ظل التناغم الطائفي بين الهيئة ومجموعات الجنوب إلا في حال تلقت فصائل ومجموعات الجنوب دعماً وازناً من جهات خارجية.

وإلى الجوار من درعا تماماً، في السويداء، يبرز اختبار من نوع مغاير، فالمحافظة تقطنها أغلبية درزية، وتنشط فيها مجموعات عسكرية تقوم أساساً على نفوذ معنوي هائل لرجال الدين الدروز، وكما يلف الغموض الصورة السورية العامة، فإنه يلف كذلك ما يتعلق بالأقليات الدينية والمذهبية تحت أي سلطة مفترضة لهيئة ذات توجه إسلامي صارم وماض سلفي جهادي لم ينته بالمطلق.

أما الاختبار الأصعب الذي قد تواجهه الهيئة على صعيد قوى الأمر الواقع فهو قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، فهنا تتكئ هذه القوات على تطلعات قومية لقيادتها وعلى مركزية معقولة في تنظيمها، وكذا على سيطرتها على مساحات واسعة من مناطق شمال شرقي البلاد بما يشمل بعض أهم حقول النفط، بالإضافة إلى دعمها أمريكياً بعد مشاركتها في معركة القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مناطق من الرقة ودير الزور والحسكة وحلب.

وفوق هذا وذاك، ليس مستبعداً ظهور قوى مسلحة جديدة على الساحة، فالغالبية العظمى من ضباط وعناصر الأجهزة الأمنية والجيش تلاشت من المشهد واختفت مع هروب الأسد إلى موسكو صبيحة الثامن من ديسمبر كانون الأول، بينما يخبرنا الدرس العراقي عقب سقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣ أن اختفاء بعض هؤلاء كان مؤقتاً، وأتى ظهورهم اللاحق بأثواب مختلفة تراوحت بين فصائل محلية لقتال القوات الأميركية وتنظيمات جهادية عدمية قاتلت الجميع. وإن كان شعور العرب السنة في العراق بالإقصاء والتهميش بعد عقود من إمساكهم بالسلطة ساهم بانضواء منتسبي الجيش والأمن ببعض الفصائل المسلحة، فإن إقصاء مماثلاً للعلويين أو ممارسة العقاب الجماعي بحقهم قد تقود إلى مسارات مماثلة، خاصة وأن أعداداً هائلة من شبانهم انتمت إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية.

أما السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للغالبية الغالبة من السوريين فهو سؤال الاقتصاد والأوضاع المعيشية، فالبلد المنهك خلال سنوات الحرب عرف معدلات فساد مذهلة وسياسات اقتصادية متخبطة وعقوبات غربية أضرت بقطاعاته الرئيسية، وفاقم الأوضاع سوءاً خراب البنى التحتية والتهجير القسري لمئات الآلاف من سكانه بما يتضمن بالطبع الخبراء والفنيين وأصحاب المهن المختلفة والأيدي العاملة من كل نوع. وقد تبرز مفارقة هنا، فالتطلعات الديمقراطية والتحول السياسي بعد سنوات طويلة من الاستبداد عادة ما ترفع من سقف التوقعات وتستعجل التغيرات الإيجابية التي تمس حياة الناس اليومية، بيد أن مستوى التردي المعيشي والاهتراء الاقتصادي الذي وصلته الأوضاع السورية في السنوات الأخيرة من حكم الأسد قد تخفف نسبياً من الضغوط الشعبية على الحكم الجديد أيّاً كان شكله، إذ يرجح أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية نسبياً في حال نجحت السلطات بتحقيق درجات معقولة من الاستقرار وتدفقت على البلاد أموال دعم إقليمية ودولية، أو ربما استثمارات أجنبية.

أسئلة صعبة

ومن الأسئلة المركبة التي تحتاج إلى إجابة عاجلة ملف العدالة والمحاسبة في سوريا الجديدة، وهو سؤال يتضمن أسئلة فرعية معقدة كذلك: فمن سيحاسب من؟ ووفق أي قانون؟ وهل ستشمل العدالة مرتكبي الانتهاكات من كل الأطراف بما يشمل أولئك في صفوف المعارضة المنتصرة؟ وهل تعود بالزمن إلى ما قبل ٢٠١١ وصولاً على سبيل المثال إلى مجزرة حماة عام ١٩٨٢ التي شهدت مقتل عشرات الآلاف؟ هل من الأجدى تطبيق العدالة الانتقالية هنا؟ أو تشكيل محكمة دولية تدير هذا الملف؟ وماذا عن الفساد ونهب الموارد الوطنية؟

غير أن السؤال الأكثر راهنية يتعلق بعشرات الآلاف من المختفين قسراً في سجون النظام السابق وأعداد قليلة متفرقة أخفتها قوى الأمر الواقع الأخرى على امتداد الجغرافيا السورية، فلهذا الملف أبعاد إنسانية وسياسية ومجتمعية لا تخفى على أحد. وهو ملف يشتبك مع ملفات العدالة والانتقال السياسي والسلم الأهلي وكفاءة الحكومة، وسيحتاج المجتمع السوري إلى وقت طويل كي يتعافى من آثار هذا الملف الذي اشتمل على أساليب مروعة في الاحتجاز والتعذيب والإخفاء وابتزاز أهالي المعتقلين، وليس أدل على المأساة المستمرة لهذه القضية من مشهد آلاف الأسر السورية التي تجمهرت عند سجن صيدنايا سيء الصيت والمقرات الأمنية على أمل معرفة مصير أبنائها وبناتها.

وعلى علاقة مباشرة مع ذلك، يحتاج السوريون إلى عمل هائل للكشف عن أماكن القبور الجماعية، وتنظيم عمليات الطب الشرعي وتحديد هويات الجثث وعزل الرفات، وهي عمليات معقدة تحتاج إلى خبرات وتقنيات دولية ليست في حوزة السوريين حالياً، هذا بينما تتعرض القبور المكتشفة إلى تهديد العبث بها بسبب سوء التنظيم وهرع الأهالي الباحثين عن أحبتهم المفقودين.

وترتبط الأسئلة السابقة جميعها بلا استثناء بسؤال أساسي عن علاقة سوريا بدول جوارها والعالم الأبعد، فالثورة السورية خاضت معركتها في وجه النظام السوري المدعوم بقوى متعددة في مقدمتها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وميليشيات عراقية متفرقة، ولاحقاً أتى الدعم الروسي لينقذ النظام من هزيمة وشيكة أواخر ٢٠١٥. وبالإضافة إلى العلاقة الشائكة بهذه الجهات المؤثرة، ثمة سؤال عمّا تريده إسرائيل حالياً، فالأخيرة سارعت إلى التوسع ببعض الأراضي المجاورة لمرتفعات الجولان وشنت مئات الغارات لتدمير أي قدرات عسكرية استراتيجية خشية وقوعها بأيدي النظام الجديد. أما تركيا فقد تكون صاحبة اليد الطولى على المدى القصير والمتوسط، فهي كانت من آخر القوى الإقليمية التي حافظت على علاقة وطيدة ببعض جهات المعارضة السورية، هذا بينما تنظر بعين قلقة مرتابة نحو قوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية.

وللقوى الإقليمية والدولية الأخرى اهتمامات ومصالح ومخاوف متناقضة في سوريا، ففي هذا البلد ما زالت تنشط حركات جهادية قد تسبب صداعاً أمنياً لدول عدة، ومنه تدفق ملايين اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون اليوم في الخليج ومصر والأردن ولبنان والعراق وتركيا والاتحاد الأوروبي وكندا والولايات المتحدة، ولبعض هذه الدول علاقات متعددة المستويات مع جهات فاعلة في الداخل السوري، بينما يحتاج السوريون بدورهم لعلاقة مستقرة ووثيقة بكل هذه القوى لغايات تمتد من الاستقرار وحفظ الأمن إلى جذب الاستثمارات والدعم الاقتصادي مروراً بالمساعدة في تنظيم الكشف عن القبور الجماعية وغيرها.