الثلاثاء, مارس 10, 2026
الثلاثاء, مارس 10, 2026
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

القوة القادمة ..

  زُرعت إسرائيل استعمارًا استيطانيًا في فلسطين، وتم بالإرهاب تهجير مئات الآلاف من سكانها، وتقتيل عدد كبير منهم في مجازر حفرت اسمها في تاريخ المنطقة (بحسب مركز الزيتونة للدراسات، فإن عدد المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في الفترة بين 1937 و1948، زادت عن 75 مجزرة أبرزها مجزرة دير ياسين).


عندما استقر الكيان الصهيوني “دولة يهودية” على أرض مغتصبة، دأب الغرب على تسويق فكرة مفادها أن إسرائيل التي لم تفعل شيئًا سوى تجميع اليهود المضطهدين وغير المضطهدين في أرض الميعاد، توجد للأسف في محيط عدائي يتطلع إلى إلقاء إسرائيل في البحر، وأن الحفاظ على وجود هذا الكيان تقتضي حشد الدعم العسكري والاقتصادي والإعلامي لحكوماته المختلفة، واعتبار الأساطير اليهودية مرجعية إلهية لشرعنة هذا الوجود. وأمريكا وبريطانيا وحلفاؤهما الغربيون، الذين لم يهمهم أبدًا أن تعيش الشعوب العربية تحت حكم ديكتاتوريات عسكرية أو أنظمة تقليدية جامدة،لم يدخروا جهداً في نصرتها على شعوبها، سرعان ما أضافوا لأسطورة المحيط العدائي، أسطورة النظام الديمقراطي الوحيد في الشرق الاستبدادي، ليصبح الدعم الغربي دعمًا للسردية التوراتية من جهة،  ودعمًا للديمقراطية اليتيمة في المنطقة من جهة أخرى.وكل هذا طبعاً في محاولة لترويض عقدة الذنب  تجاه يهود اوروبا  جراء ما لحقهم من تنكيل على يد الغرب.

ستأتي الحروب العربية الإسرائيلية فيما بعد لترسخ إعلاميًا مقولة المحيط العدائي، ثم ستأتي العمليات الفدائية الفلسطينية، وإنشاء منظمة التحرير، لترسخ صورة الضحية الصهيونية الدائمة، والترويع الإرهابي “لدولة” تسعى إلى ضمان أمن اليهود وسلامتهم.


إن هذه الصورة المقلوبة للواقع (المغتصب ضحية، والمقاوم إرهابي، والاستعمار ديمقراطية، والتطهير العرقي دفاع عن النفس… إلخ) ستأخذ أشكالاً هستيرية من التزييف والمغالطة بعد زلزال السابع من أكتوبر، ولكنها بشكل مفارق ستبرز حقيقة جديدة، هي أن المحيط الذي كان منذ النكبة حاضنًا لفلسطين ومعاديًا لإسرائيل، صار لافظا لفلسطين، ومحتضنًا لإسرائيل، فالإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة لم تحرك في الأنظمة العربية شيئًا، ولم توقف أو تجمد مسار التطبيع، وأصبح الفلسطينيون هم الكيان الوحيد في المنطقة الذي يعيش في محيط عدائي مائة بالمائة!

في ظل هذه الظروف يبدو من العبث مطالبة مؤسسات النظام الإقليمي العربي بلعب دور ما في الأزمة الحالية طالما أنها مرتبطة عضوياً بالأنظمة، وممثلة لها، وقد رأينا مقدار العجز الذي ميزها في أمرين على الأقل يُفترض أن تكون فيهما مؤسسة نظام إقليمي مثل الجامعة العربية مثلاً، قوة تفاوضية مؤثرة، وهما، المساعدات الإنسانية للشعب المحاصر في غزة، خصوصًا عند استفحال المجاعة، و قصف المستشفيات، والتفاوض على وقف إطلاق النار وتحرير الرهائن
في الأمرين معاً رأينا كيف انتُدبت أنظمة عربية معينة للعب أدوار تكاد تكون مسرحية في هذا الإطار،حيث ظلت تروح وتجيء فوق أشلاء غزة دون فائدة

إن السمة البارزة لأوضاع مؤسسات النظام الإقليمي في هذه المرحلة، سواء تعلق الأمر بالجامعة العربية، أو مجلس دول الخليج، أو اتحاد المغرب العربي، هي الصورية، والغياب، والأزمة المؤسسية.
الصورية، لأن هذه المؤسسات ترسل عن نفسها صورة الإطار الوحدوي الذي يحافظ على الحد الأدنى من التجانس في المواقف والمبادرات، بينما هي في الواقع تجمع “لأجندات” فردية، متضاربة، لا يجمع بينها شيء ،فلا شيء يجمع بين الإمارات والسودان، ولا بين المغرب والجزائر، ولا بين السعودية واليمن، وأمثلة هذه الثنائيات الدرامية تغطي خريطة الوطن العربي بأكملها.


والغياب، لأنها لا تملك أية مبادرة تصاحبها سياسيًا وإعلاميًا على المستويين الإقليمي والدولي، وتدعمها باستمرار بغض النظر عن الأزمات الطارئة أو الظرفية.


والأزمة المؤسسية، لأن جل هذه المؤسسات تعيش من جهة عطبًا في أجهزتها وفي منهج عملها، وتعيش من جهة أخرى أزمة هوية. فالجامعة العربية تفتقر إلى إعادة تحديد أكثر دقة لمفهوم عربيتها، أو عروبيتها. ومجلس التعاون الخليجي، الذي يعد الأقل تشرذمًا، عرضة دائماً لتقلبات الوضع في الخليج في علاقة بالتطبيع، وبالعلاقة مع التيارات الإسلامية ومع الدولة الإيرانية. واتحاد المغرب العربي، الذي لم يستقر بعد على أية صيغة جغرافية أو سياسية، يكاد يكون بلا روح، وبلا معنى، بينما تستمر الأزمة الليبية، وتقف الجزائر والمغرب على حافة حرب أخوية.

من الصعب إذن تصور منهجية عمل ناجعة لهذه المؤسسات يكون لها أثر محمود حيال أية أزمة مهما صغرت، وبالأحرى أن تكون أزمة تحرير أرض عربية مغتصبة. وإيقاف إبادة جماعية في غزة، خصوصاً وأن الظاهر من جبل الجليد في القضية الفلسطينية لم يعد يعكس بوضوح ما تخفيه العلاقة المبسطة بين الاستعمار وتصفيته. هناك طبقات متراكبة تدفع بتوتراتها إلى السطح، ليس أقلها هيمنة الحركة الإسلامية على المقاومة الفلسطينية، واحتداد الصراع السني الشيعي، والمخاض الذي يجري الآن للسماح بانبثاق قوة إقليمية تعوض خواء المؤسسات الإقليمية، وتعوض بالخصوص انهيار القوى التقليدية في المنطقة وعلى رأسها طبعاً القوة المصرية.

ما يبدو جليًا بخصوص هذا الموضوع هو استعداد المملكة العربية السعودية لاستلام هذا الدور.

لا شك أن طموح المملكة في هذا المجال ليس جديدًا، فمنذ فترة ليست بالقصيرة شرعت في تحضير الظروف التي تساعدها على تحقيق هذا التحول النوعي، سواء تعلق الأمر بالشروع في ما تسميه  بالإصلاحات الداخلية، أو في إعادة ترتيب علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومع إيران. ولا شك أن وجهتها كانت قبل السابع من أكتوبر هي التطبيع مع إسرائيل، وترك القضية الفلسطينية للزمن، يجد لها مخرجاً أو يذوبها في الأمر الواقع، ولو أنها لم تفتأ تلوح برغبتها في التفاوض على هذا التطبيع،  ومقايضته بتطبيق خطة السلام العربية التي تنص ضمن ما تنص عليه على إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية. بمعنى ما، فإن وجهة التطبيع نفسها كانت بالنسبة للمملكة لبنة في بناء حلم القوة الإقليمية.

الجديد ربما في الأمر، هو أن السابع من أكتوبر فرض على المملكة العربية السعودية أن تجعل من تحقيق مطلب الدولة الفلسطينية ورقتها الأساسية للتفاوض على موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها حالاً ومستقبلاً.

منذ وقف المرحوم ياسر عرفات في منصة الأمم المتحدة ليقول للعالم: جئتكم بغصن الزيتون في يد، والبندقية في يد، لم تتوقف القضية الفلسطينية عن لعب دور الوقود الضروري لكل قوة صاعدة. حصل ذلك مع مصر والعراق وسوريا، ويحصل الآن مع المملكة العربية السعودية. ليس من باب “الخيال السياسي” أن يسلم الفلسطينيون (أو بعضهم على الأقل) بأن قارب النجاة الوحيد الذي تبقى لهم من غرق المركب الكبير هو قارب السعودية، ولا أن تعتبر السعودية وقد لعبت حتى الآن دور المتفرج الذكي على تفسخ كل المشاريع، بما في ذلك “مشروع التطبيع الشامل مع إسرائيل”، أن فرصتها قد سنحت، وأنها من الممكن وفق ظروف اليوم أن تقف في وجه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، دون أن تتطاول على إيران أو أن توقع بها، وتعمل على تحقيق حلم الدولة الفلسطينية، ولو لم يكن ذلك أبداً ضمن أولوياتها المعلنة أو المضمرة. ومتى ما استطاعت ذلك فستصبح بقوة الأشياء القوة الإقليمية التي ستعيد تشكيل المنطقة على مقاسها. 

هكذا هي الحرب، قد لا ينتصر فيها بالضرورة من يخوضها !
على أن التنبؤ بانبثاق قوة إقليمية أو بأفولها هو نوع من التقاط صورة “للآن” كما هو، حسب ما آلت إليه الأمور، بعد الشرارة التي اندلع بها الحريق، وبعد انهيار ما انهار، وبعد ميلاد “اللحظات الجديدة”، في الأرض، وفي التاريخ الذي نعيشه بشكل مباشر. وهذه أشياء لا تحسم كل شيء، هناك نصيب اللامتوقع، وتأثير التفاعلات المفاجئة، أو حدوث شيء صاعق لم يكن في الحسبان.

هناك حقيقة ثابتة لا تتغير بالنبوءات، ولا بمنطق القوة، هي أنه لا يوجد “تحرير حاسم” في تاريخ البشرية حصل بدون مقاومة عظيمة.


هناك اليوم من يرى في نكسة حماس وحزب الله نقطة نهاية للمقاومة. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فالمقاومة بذرة تنتقل منذ 1948 من تربة إلى أخرى، ومن انبعاث إلى آخر. تذكروا ما كان عليه الوضع قبل 7 أكتوبر، وما حدث بعد ذلك. قد يقال إن هذا من قبيل انتظار المعجزات، نعم، ولكن من الخصائص الخلاقة للمعجزة أنها لا تحدث مرة واحدة!

والقصد أن القوة السعودية التي يبدو انبثاقها بديهياً في سياق ما نعيشه،يتوقف مصيرها على القدرة على إرضاخ إسرائيل لمطلب الدولة الفلسطينية،وإلا فأمامنا النموذج المصري الذي اختار “الصبر الاستراتيجي”،وعدم الضغط على إسرائيل لإنقاذ الشعب الفلسطيني في غزة فصار إلى ما صار إليه.