الأربعاء, أبريل 15, 2026
الأربعاء, أبريل 15, 2026
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

حرب غزة و”فتنة” الإعلام العربي

يؤسس الإعلام العربي بشقيه المرئي والرقمي- بعد خروج الصحافة الورقية من السباق- لحالة غير مسبوقة من الانقسام في الوعي الجماهيري من خلال تغطيته للحرب الإسرائيلية على غزة التي امتدت لتشمل الضفة الغربية ومن ثم لبنان. فالحاصل أن الفاعلين/ القادة وراء هذا الإعلام، أو المحرضين بتعبير عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون صاحب “سيكولوجية الجماهير”، سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، يقدمون رسائل متناقضة تتجاذب جماهير نصف واعية، فتتقبلها طائعة منقادة، وتتحمس لها بما يفوق ما ابتغاه المحرض أحيانا. ولأن الرسالة ليست واحدة ولا تقتصر كما هو مفروض إعلاميا على الخبر والحقائق، أصبح الموقف من قضية مركزية في التاريخ العربي الحديث، وهي القضية الفلسطينية، مجرد وجهة نظر. وانقسم الإعلام الإخباري العربي بين فريقين: الشامتين والمبشرٌين، وكلاهما يسعى لترسيخ رسالته لدى الجماهير بحماسة تفتقد كثيرا من المهنية. 

وأنت تشاهد القنوات العربية، بوسعك بكبسة زر واحدة أن تنتقل من معسكر لنقيضه، وبوسعك أيضا وأنت تعبث بهاتفك الذكي على مواقع التواصل الاجتماعي أن تقرأ وتشاهد رسائل محمومة في إلحاحها على مصداقية التحليل والرؤية التي تسوّق لها (من بينها حسابات ناطقة بالعربية تقف وراءها مؤسسات إسرائيلية). والحاصل أن الروايتين تتناقضان إلى حد بعيد حين تسوغان أمورا بعيدة عن الحدث وإنما لتسويق رؤية لا تخلو من أهداف غير معلنة للجمهور المتحمس.  بوسعك أن تتابع إعلاما شامتا في المقاومة، كل المقاومة، يراها مجرد أذرع غريبة، تنفذ أجندة لا تخدم العرب ولا القضية الفلسطينية، وكأن المقاومة والقضية برمتها ولدت في السابع من أكتوبر. وبوسعك أيضا أن تتابع إعلام المبشرين الذين يبالغون في قدرات المقاومة ويشحنون الشارع العربي بآمال غير واقعية وغير مطلوبة من قبيل أن المقاومة ستهزم إسرائيل حتما، في معركة يعرفون قبل الجماهير أنها لم ولن تكون متكافئة لأسباب كثيرة. 

صحيح، يٌحسب للقنوات الفضائية العربية أنها هي الوحيدة بين نظيراتها العالمية التي لها مراسلون على الأرض من أهل غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان بعد أن منعت إسرائيل كل الإعلام الدولي من تغطية الحرب إذا لم يرافق جيشها. وقد كان حريا بهذه المنافذ العربية والحال هكذا، أن تتوحد رواياتها ومواقفها، فلا تأويل مطلوبا عند رؤية أحياء ومستشفيات ومدارس تُقصف ومدنيون أطفال، ونساء، وشيوخ يُقتلون كل دقيقة بآلة حرب لا ترحم. ربما فعلت القنوات ذلك بالفعل وهي تروي تطورات الخبر، وبعضها دفع ثمنا فادحا من أرواح صحافييه، ويا ليتها توقفت عند ذلك، لكنها استتبعت ما هو خبري بما هو تحليلي وبلغة منحازة لا تنتمي لعالم الخبر بصلة، فطغى الأيديولوجي على الإبيستمولوجي كما يقول العلماء، وهنا مكمن الاستقطاب بين منابر الشامتين ومنابر المبشرين.

 ولأن حرب غزة حدث تاريخي بمقاييس هجوم حماس وبشاعة الانتقام الإسرائيلي وتداعياته على شعب يقبع تحت حصار بحري وجوي وبري لسنوات طويلة، فقد استدعت مع استمراريتها ظاهرة إعلامية جديدة- في التليفزيونات والسوشيال ميديا- هي مهنة “المحلل العسكري” وأحيانا السياسي، وهي وظيفة من مسماها يجب أن تكون قراءة لما يحدث بناء على الحقائق مع قليل من الاستشراف يعززه نوع من التخصص. لكن ذلك لم يحدث، فالمحللون في معسكر الشامتين يرسمون صورة سوداوية وانهزامية بدعوى الواقعية، أما المبشرون فستكون الصورة لديهم انتصارية بدعوى شحذ الهمم. من يشمتون في المقاومة يكرسون لخطاب طائفي هو أقرب للأدبيات الصهيونية، لا لشيء سوى لتصفية حسابات قديمة مع هذا الفريق المقاوم أو ذاك، لأنه شق الصف وخرج عن الطوع، وكأن الصف العربي قبل أحداث غزة كان بنيانا مرصوصا، ومن يمجدون المقاومة يؤكدون ان الفئة القليلة المحاصرة المجّوعة سوف تنتصر عسكريا على قوة إسرائيل الشرسة التي لا يمر شهر دون حصولها على دعم عسكري أمريكي ومن معظم العواصم الغربية. 

هكذا صارت إطلالة رجال دين معممين على محطات فضائية مطالبين بالاستسلام لإسرائيل دون قيد أو شرط أمرا مستساغا، وصارت دعوة شيخ مجهول يطالب بطاعة “ولي الأمر” نتنياهو بعدما غلب، منشورا على صفحات السوشيال ميديا يتداوله عشرات الآلاف، صار عاديا أيضا أن يشمت عديدون في مقتل زعيم حماس لأنه تحالف مع الايرانيين، ” الذين غدروا به” كما تروج بعض المنابر. لكن ظلم المقاومة والمقاومين في الميديا لم يتوقف عند منتقديهم، الذين فعلوا بسوء نية، لكنه امتد الى أنصار المقاومة وبحسن نية هذه المرة. فهؤلاء لا يقصرون قيمة ما فعلته المقاومة على “رمزيته” لشعب محاصر، لكنهم يدشنون التعليقات والتأكيدات بأن المقاومة ستنتصر، والجماهير المتعطشة لبصيص أمل تشتهي ذلك.و فات الخبراء المحللون  في ذلك الفريق التأكيد على أمر واحد، أن انتصار أي مقاومة يتمثل في بقائها وليس تحطيم عدو أكبر منها بمئات المرات. وهنا كان ملحوظا منذ بداية الحرب اعتماد الإعلام العربي على “إعادة تدوير” ما تطلقه الميديا الغربية والإسرائيلية من تقديرات مبالغ فيها لحجم المقاومة لتبرير الوحشية في ضربها. فعندما ضخمت إسرائيل والإعلام الغربي من أنفاق حماس وتسليحها، تكررت العبارة آلاف المرات على ألسنة “المحللين” العرب والأمر ذاته يحدث مع عبارة أن حزب الله يمتلك مئتي ألف صاروخ التي تتكرر وتتكرر ليلا ونهارا دون أن يسأل محلل أو إعلامي نفسه ما مدى مصداقيتها، وكيف لحركات محاصرة ومستهدفة على سنين طويلة أن تمتلك سلاحا يناهز الجيش رقم 18 عالميا. 

 ماذا تغير؟ 

يتساءل كثيرون عن أسباب الاستقطاب في الميديا العربية والذي تجذر بدوره في عقول جماهير لا تجد من يرشدها سوى “المحللين” و “المؤثرين”، فيقدمون الخلاف الطائفي متمثلا في دعم إيران “الشيعية” للمقاومة السنية وفرض أجندتها عليها. لكن تفنيد هذ الادعاء أمر سهل، فالحقيقة أن هذه ليست المواجهة الأولى بين إسرائيل وفصائل المقاومة المدعومة من إيران، والحقيقة أيضا أن “شيعية” إيران وحزب الله ليست مفاجأة ولا وليدة اليوم. ربما تكون العودة إلى الوراء قليلا كاشفة لأسباب الاستقطاب الذي أراه مفتعلا ومقصودا. فمنذ عام 2006 شنت إسرائيل حملات يمكن أن توصف بالحروب على قطاع غزة سبع مرات على الأقل، في كل تلك الحروب كان ثمة إجماع في الإعلام العربي ولدى الجماهير المتلقية لرسالته بأحقية المقاومة ومظلومية غزة بسبب مماطلة أو رفض إسرائيل في السعي لحل الدولتين. وفي كل هذه الحروب لم تأخذ حماس رأي العواصم العربية فيما فعلت أو ستفعل، لكن حتى تلك العواصم التي لم يرقها ما تفعل حماس وجماهيرها لم تتنصل من القضية الفلسطينية. فماذا تغير؟

ضمن أمور سلبية كثيرة في نقد الميديا العربية هو “استلابها” للدور الذي كان يتعين على الشارع وطليعته الواعية أن يقوم به أو الإلحاح على توجيه الشارع في مسار سياسي لا يرتبط بالإعلام. والملاحظ في كل تلك الكوارث التي تحدث في المنطقة العربية منذ عام، سواء كانت بسبب حماس أم إسرائيل، أن الشارع العربي لم يتحرك سلبا أو إيجابا بينما اهتزت العواصم في الغرب المؤيد لإسرائيل تحت وقع مظاهرات الشوارع والجامعات. كانت التقسيمة واضحة، الإعلام الرسمي يتبوأ موقع الدفاع عن الفلسطينيين ومهاجمة إسرائيل، ليؤكد أننا “ما قصرنا” ويستوعب غضب الجمهور الجالس في بيته وهو يرى أنه مهما قال فلن يقول أكثر من ذلك. أما الإعلام العربي الشامل Pan- Arab Media فقد انقسم كما أسلفت- حسب الرؤية السياسية للعواصم أو بإيحاء منها- وانعكس انقسامه على الشارع الذي يبحث عن زعيم أو مثال يقدم له خطابا مقنعا، بدلا من أن يدركه بذاته. 

ينسحب التقييم نفسه على السوشيال ميديا، أو وسائل التواصل الاجتماعي، التي استبشرت دوائر فكرية كثيرة بدورها في تحرير المجتمعات وتقديم خطاب مغاير لخطاب المؤسسات الإعلامية الكبرى التي تحتكر التمويل، والأنظمة القمعية  المسيطرة على إعلامها، وهو تفاؤل شاع كثيرا بسبب دور هذه الوسائط في انتفاضات الربيع العربي والثورة البرتقالية في أوكرانيا. لكن السنوات الأخيرة شهدت تحول تلك الوسائط نفسها إلى ساحة مفتوحة للتضليل الإعلامي وإعادة إنتاج نموذج المؤثر/الإعلامي المسيطر. لا مساواة في السوشيال ميديا كما يعتقد البعض، فنجوم الإعلام التقليدي هم نجوم بالضرورة على السوشيال ميديا وما يقولونه هناك سيقولونه هنا، وسيروجون لنفس وجهات النظر التي يتلقون رواتبهم بفضلها أو التي تتناسب مع الدعم الإعلاني. أما الحجب والمنع في حالة الحرب الراهنة فكان امرا شائعا طال مستخدمين كثيرين ضمن سياسات تضييق فرضتها مواقع السوشيال ميديا الكبرى. بالنسبة للجماهير العربية، أصبحت السوشيال ميديا “فشة خلق” لأن الفرد حسب علماء النفس ومن بينهم “لوبون” أكثر شجاعة عندما يتوحد مع مشابهيه، ولأن الفرد أيضا في عصر الإنترنت، أكثر شجاعة خلف الشاشات. هكذا ستجد أفواها مفتوحة على هذه الوسائط العربية وهي تجاهر بالطائفية والنعرات الوطنية، وكراهية الآخر الذي، حتى لو لم يقاسمه المذهب فهو يقاسمه الدين أو القومية أو الانتماء إلى بلد واحد. وهكذا أصبح كل “مؤثر” على تلك الوسائط زعيما يقود أتباعا يقتفون آراءه بعدما أصبح مصدرهم الموثوق للمعلومة والتحليل. 

تحولات المشهد الإعلامي 

يقترب عمر القنوات الإخبارية العربية من ثلاثة عقود وهي بذلك متأخرة نسبيا عن نظيرتها عالميا، لكنها تمكنت من إحداث  تغييرات في المشهد الإعلامي العالمي، في مقدمته تقديمها خطاب يعبر عن واقع المنطقة وجمهورها الذي ظل لعقود طويلة فاقدا الثقة في إعلامه الرسمي، وأهمها كسر الاحتكار الغربي للميديا في مناطق كثيرة منها الشرق الأوسط والجنوب العالمي. تجلى ذلك بوضوح في تغطية تلك القنوات للغزو الأمريكي لأفغانستان 2001والعراق 2003 وحرب يوليو تموز بين إسرائيل وحزب الله في 2006. قبل وفود القنوات الإخبارية العربية، كانت محطات التلفزة العربية- إلا قليلا- مملوكة للدولة والأخبار فيها لم تكن على مدار الساعة، ولا يوجد شيء اسمه الشريط الإخباري، وإنما في مواقيت مضبوطة، وجهاز الدولة الإعلامي هو الذي يسمح ويمنع. هكذا انتقل الفضاء الإخباري العربي من المراقبة التامة والعطش إلى الأخبار إلى “التحرر” والغرق في الأخبار. 

لكن هذا التحرر لم يعن “الحيادية” وكأن هذه القنوات كانت في انتظار اختبار جدي لمصداقيتها، وتجلى الاختبار في أحداث كبيرة مثل انتفاضات الربيع العربي، والحرب في اليمن وأخيرا الحرب الإسرائيلية الراهنة على غزة. لكن طوال السنوات التي سبقت “طوفان الأقصى” لم يكن الموقف من القضية الفلسطينية موضع تأويل أو اختبار في الإعلام العربي كما كان بين الأنظمة السياسية. وهو ما يطرح سؤالا دون إجابة حاسمة، من الذي تغير هل هو الإعلام بتوجهاته وتوجيهاته؟ ام الجمهور الذي هو مجرد متلقي لما يأتيه عبر الشاشات والهواتف؟ لقد سمح الإعلام الفضائي غير الرسمي للعواصم العربية أن تضع مسافة بين محتواه وسياساتها المعلنة، فلن تجد عاصمة تقر بأن ما تقوله قناة إخبارية يعبر عن موقفها الرسمي كما لن تجد مؤثرا على السوشيال ميديا يعلن ارتباطه بأجهزة رسمية، والنتيجة حالة من التخبط والانقسام في وقت كان يتعين فيه على الإعلام الإخباري أن يقدم الوقائع دون تهوين أو تهويل، حتى لا تتحول فلسطين من قضية شعب تحت الاحتلال إلى ساحة تجاذبات إعلامية وجماهيرية.