السبت, نوفمبر 29, 2025
السبت, نوفمبر 29, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

عامٌ على “طوفان الأقصى”: فلسطين: عودة من الأنقاض

 باقترابها من استئصال حزب الله من جنوب لبنان تكون إسرائيل قد حققت أهم نصر حربي لها منذ 1967. ومنذ إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. لقد اغتالت قادة حزب الله واحداً واحداً، ومستشاري الأمين العام للحزب بأكملهم وحوالي أربعة آلاف عضو في دقيقة واحدة، وتوجت هذا المحو المحكم بقتل زعيم الحزب وأمينه العام حسن نصر الله ، بعد أن اغتالت في طهران رئيس منظمة حماس، اسماعيل هنية.

يمكن الآن لنتانياهو أن يتباهى بأنه بعد سحق غزة وعزل إيران وإهانتها، قد غسل عار يوم السابع من أكتوبر 2023.  إذا كان هناك من لا يزال يشك في تفوق إسرائيل، أو في شراستها وقسوتها أوفي تحكمها في رقاب الأقوياء قبل الضعفاء، فما عليه إلا أن يتخلص من هاتفه الذكي في أقرب وقت،لأننا جميعاً متشككين وغاضبين ومنكسرين، نوجد حتما عـرايا في حواسيب إسرائيل ، ومن الجائز أن تفجرنا واحداً بعد الآخر، ليس لأن لنا قذائف سنهدد بها أمن “المستوطنين الأبرياء ” ولكن فقط لأن لنا مشاعر مُعادية للكيان الصهيوني، كأن نكون مـع وجود فلسطين، أو ضد التطبيع، أو ضد الاحتلال، أو مع المقاومة، ولو بقلوبنا فقط. استعراض القوة، والتفوق، والقسوة، هي الممارسة الأكثر بداهة وشيوعاً في الحركات الفاشية، والصهيونية ضمنها، إنها تفتك بك، ليس فقط عندما تكون قوياً وقادراً على رد الصاع صَاعيْن، بل كذلك عندما تكون هشاً، ومنهاراً، ومحاصراً من كل حدب وصوب، وعاجزاً عن الرد، وعاجزاً عن الانتقام، ومخذولاً من أهلك، ومٌتكالباً عليك من الأعداء. في وضع كهذا لا يثلج صدر الفاشيست شيء أكثر من الإجهاز على الضحية والتمثيل بها. “البلاغة ” وحدها، وهي المعجزة العربية الوحيدة التي ما تزال على قيد الحياة، هي التي يمكن أن تجعلنا نبتلع “انتصارية ” إسرائيل وتفاخر الغرب بإنجازها العظيم ، كما فعلنا بعد هزيمة 1967.   

 ولا بأس أن نعيش بعد ذلك سبعين سنة أخرى من عسر الهضم، لكن مهما كانت قوة البلاغة التي سنستعملها للتسويغ والتبرير والتهوين، لا مناص من مواجهة الذات بما يلزم من نقد وثبات على المقاومة. كثيرة هي المحاولات التي ستسارع إلى إلباس الضحية لباس الجلاد، وعلى لوم القتيل على استفزازه للقاتل، لكن يجب أن لا ننسى أن ما نعيشه اليوم لم يبدأ يوم السابع من أكتوبر الماضي، إن عصابة الصهاينة التي اضطلعت بالمهمة الإرهابية المؤسسة للكيان الغاصب، قد انطلقت يوم 10 مارس 1948 بمخطط تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وهدم القرى والمدن الفلسطينية وحرق الحقول والبساتين، إن هذا الإرهاب المؤسس للكيان الصهيوني حصد في الستة أشهر الأولى بعد انطلاقه ثمانمائة ألف من المهجرين أي نصف سكان فلسطين آنذاك،وهدم 531 قرية ،لقد كانت تلك الحملة تطهيراً عرقياً واضحاً، أي جريمة ضد الإنسانية. وماذا تفعل إسرائيل اليوم؟ إنها تواصل فقط ارتكاب فصول جديدة من هذه الجريمة، ولن تفعل أي شيء آخر لأنها مؤسسة على هذه الصيغة الإجرامية وبقاؤها مرتبط باستمرار الخاصية الجينية التي ولدت بها. ولذلك ليست هناك صيغة للتعايش أو للتصالح أو للتطبيع إلا أن تراجع إسرائيل طبيعتها الإرهابية، وتبحث عن سبيل آخر غير الإبادة والتهجير لتتعامل به مع أصحاب الأرض الشرعيين. لقد انتقمت إسرائيل من دفاع الضحية عن نفسها بأن سمحت لجيشها بإبادة أزيد من ربع سكان غزة وماذا الآن بعد كل هذا القتل والتدمير ماذا بعد استعراض القوة والجبروت؟ ماذا ستفعل إسرائيل بعد كل هذا؟ 

يعرف العسكريون أن النصر في أية حرب لا يحسب بعدد القتلى والمساحات المُدمّرة، بل بالمواقع الترابية التي ربحها المنتصرون، وبالأفق السياسي الذي سيمسحون به ويلات الحرب. وإسرائيل حتى الآن لا تقبل حتى بمجرد التفكير في أفق سياسي، ولم تربح تراباً جديداً.   لذلك لا تملك إلا وصفتها الأصلية، مزيداً من القتل والتهجير، ومزيداً من التوسع الاستيطاني، وليس مستبعدا أن تكون الحرب قد رسخت قناعتها بأن السلام الوحيد الممكن هو أن تضيف إلى جغرافيتها المغتصبة مساحات جديدة باسم الأمن الاستراتيجي لإسرائيل، أو باسم وعود نصوصها المقدس لا شيء يمنعها من العودة إلى فكرة التوسع التي أنبنى عليها الكيان الصهيوني، فتمد أقدامها الثقيلة إلى لبنان، أو إلى الضفة الغربية، أو إلى سيناء، أو إلى سوريا، أو إلى الأردن. ألا تعشش فكرة المقاومة في هذه الجيوب التي تمردت على خريطة إسرائيل الكبرى، ألا يأتي تهديد إسرائيل دائماً التراب الذي سمحت ببقائه خارج قبضتها؟؟

قديماً كنا نرد في المغرب على الذين يتهموننا بـ”التعصب القومي” لأننا نعتبر قضية فلسطين قضية مركزية في مشروع تحررنا الوطني، بأن الأمر لا يتعلق بمساندة عرقية، بل باختيار فكري ووطني. فأغلب  الذين ذهبوا منّا الى المخيمات الفلسطينية و انخرطوا في الكفاح الفلسطيني المسلح أمازيغيون ليست لهم أية أواصر عرقية مع كثير من العرب الأقحاح، ولكن فلسطين كانت في تضحيات أبنائها ، وفي عزة قادتها، وفي أصوات شعرائها، وفي إبداع مقاومتها ، أجنحة من لا أجنحة له .. ونحن كنا تحت تأثير خيبات  استقلالاتنا، وتسلط  حكامنا، شعوباً مقصوصة الأجنحة .وكنا نحدس بالفطرة، أن ما تريده اسرائيل والغرب الذي صنعها ليس “وطناً يهودياً “، بل مجالا استراتيجياً أوسع بكثير من الأسطورة، يصبح في إطار بناء القوة القاهرة ، مختبراً لخلق هيمنة عسكرية وتكنولوجية قاهرة تحلق مِن الخليج الى المحيط، ولا تسمح بانبثاق أية  قوة أخرى غير اسرائيل، على ضفاف البحر الأبيض المتوسط.إنه شعور بأن المشروع   الصهيوني أضخم بكثير من الاستعمار المباشر لفلسطين، إنه مشروع بناء قوة كبرى من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا، قوة ترضخ هذا المجال بكل مكوناته للآلة الشرسة التي سماها بايدن “الذراع العسكرية لأمريكا في البحر الأبيض المتوسط”.

وبهذا المعني أيضا فإن وزير الدفاع الإسرائيلي على حق عندما يقول وهو يقصف اليمن إنه لا يوجد مكان بعيد عن إسرائيل يكفي أن يكون في تلك الخريطة الكبرى التي يحلم بها.  هكذا أصبحت لنا جميعاً حدود مباشرة مع فلسطين ، وجدانياً،لأننا لا نستطيع أن نتوجه إلى صؤب دون أن نجد فلسطين بيننا وبينه،وسياسياً لأن الحدود الآمنة لإسرائيل لا تقف عند حد. منذ 1948 اندمجت فلسطين في حياتنا الوطنية، اندمجت في نسيجنا السياسي والثقافي والإعلامي، ساهمت في تشكيل فكرتنا عن أنفسنا وعن الآخرين، شاركت في انبثاق حداثتنا الفكرية والإبداعية وشحذت إدراكنا بارتباط استقلالنا الوطني بتحقيق العدالة في هذه القضية بالذات، لأن استمرار استعمار فلسطين يعني إصرار الغرب على مصادرة حريتنا واستقلالنا جميعاً، ومصادرة حقنا في سلام يؤهلنا لمواجهة أعطابنا القديمة و الحديثة.

بعد اتفاقية أوسلو حصل شيء رهيب لعلاقتنا مع فلسطين، فقد انسحبت من حياتنا تدريجياً ، بالقدر الذّي تحول به السلام إلى مسخرة ، والدولة الفلسطينية الى أكذوبة ،.ظل بعض الصامدين يقفون من حين لآخر في شوارع المدن المغربية  لاستنكار الجرائم الصهيونية ، او لنصرة المقاومة. ولكن تناقص الصبيب الرمزي للقضية لم يفتأ يتفاقم، والاشتغال الذاتي والأجنبي على تجفيف النبع لم يفتأ يتعاظم ، حتى بدأنا نسمع من لا يتورع على الزعم بأن الحدود التي كانت مع فلسطين قد أصبحت حدوداً مباشرة مع اسرائيل.

لقد تساءل البعض منا مراراً، لماذا نكلف أنفسنا عناء ” قضية بعيدة “،لماذا نثقل كاهلنا ” بالتزام قومي” في منطقة لم يكتف ” الأشقاء ” فيها بخذلان الفلسطينيين ، بل ولغوا في دمائهم بالطول والعرض ؟ ولكن هذ التساؤل لم يبعد فلسطين من جغرافيتنا شبراً وحداً ، وظل المغاربة يخرجون بمآت الآلاف للتعبير عن كون الجغرافية ليست تراباً ومقصاً ،  بل تاريخاً ومالاً و أحلاماً . لذلك كان “طوفان الأقصى” صدمة كبيرة في حياتنا السياسية وفي مشاعرنا الوطنية، ليس لأنه  حطم أسطورة التفوق الإسرائيلي ، أو كال للكيان الغاصب هزيمة مذلة ، فتلك  اندفاعات بلاغية لم تصمد طويلا أمام قسوة الواقع، ولكن فقط لأن الإنسان هنا ، وفي كل مكان من  العالم قد أحس فجأة بأن المقاومة ممكنة ، وليست في عداد القيم المنقرضة، وأحس على الخصوص  بإعادة ربط شرايين العالم ، بقضية تنبض لها ضمائر الناس ، في شوارع المدن المغربية كما في شوارع مدن كل القارات ، وكل جامعات العالم ، وكل المحافل والتظاهرات، عنواناً جديداً لمقاومة القهر بكل أشكاله، استعمارًا غاصباً ، واقتصادا عالمياً متوحشاً ،وعلاقات دولية فاسدة. نعم لقد أعاد 7 أكتوبر فلسطين للضمير العالمي ، ليس فقط كقضية تحرر وطني ، ولكن بالأساس كانتفاضة ضد صمم العالم. وهذا البعد الكوني للقضية،سيكون حاسماً في مصير المقاومة لأنه سيوفر للفلسطينيين رصيداً عظيماً من دعم الديمقراطيات الكبرى في كل أنحاء العالم، ولأنه سيحررهم عميقاً من محيطهم البائس.

من الصعب أن لا نرى في ما حصل في غزة، وفي جنوب لبنان، وما سيحصل قريباً في غيرهما ملامح نكبة عظيمة تحل بنا مرة أخرى، من الصعب أن نديروجوهنا حتى لا نرى الدمار الظاهر والباطن، وألا نرى الجثث التي تتفسخ في الأموات والأحياء، من الصعب أن لا نغضب ولا نخجل ولا نتألم، لكن لا بد أن تكون لنا الشجاعة لنتألم بكرامة ، ونيأس بكرامة. فالأفق المظلم ليس أفقنا ، إنه أفق الوحش الذي خلقه الغرب فأصبح أكبر منه، إنه أفق المنتظم الدولي الذي لم يعد ملاذاً لأحد ولم يعد طريقاً نحو المستقبل  وبالرغم من قسوة مـا جرى ، فإن خزّان الآلام البشرية الذي اسمه فلسطين ، هو الذي سيعيد تركيب الأشلاء وليس أية قوة عسكرية مهما بلغت شراستها. من السهل على إسرائيل أن تتصور خريطة واحدة لهذه الأرض بعد توقف المجزرة، هي خريطة البلاد التي غسلتها القذائف من الشوائب الخطيرة، غير أن الشائبة الخطيرة لا توجد في غزة ولا في جنوب لبنان ، ولا حتى في ايران التي تخاف على نظامها أكثر مما تخاف على فلسطين، إنها توجد فقط في قلب إسرائيل خطراً سيهدد إسرائيل نفسها ، في وجودها وفي جوهرها عندما لن يعود هناك أحد تهدده القوة القاهرة.