السبت, نوفمبر 29, 2025
السبت, نوفمبر 29, 2025
ساهم

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

عندما تزّيف “دراما رمضان” الواقع المصري..

 يعتبر شهر رمضان في الثقافة الإسلامية هو الوقت الحقيقي للممارسة الروحية وإخضاع النفس لنظام صارم، إنه المناسبة التي يرتبط خلالها المسلمون بإيمانهم وعاداتهم الروحية.  شهرٌ يقاومون فيه إغراء المتع الدنيوية: يقللون من الانغماس في الملذات وينصرفون فيه عن مظاهر الترف. هو وقت لغذاء الروح وتعزيز التعاطف وتنمية ملكات العقل والروح.

لكن ما يحدث  في مصر وأماكن أخرى من العالم الإسلامي في الوقت الراهن، يغير من التجربة الثقافية السائدة ليجعلها تجربة “الشره” : المزيد من الاستهلاك، المزيد من الترف، والمزيد من الانفصال عن معنى الشهر الكريم.

لا شيء يجسد هذا التحول أكثر من جدول الدراما التليفزيونية في رمضان. فبعد أن كانت المسلسلات الرمضانية تجربة جماعية تعكس تفاصيل الحياة المصرية، تحولت اليوم إلى استعراض تجاري ضخم، يفضل الكم على الكيف، والإبهار على الجوهر، والربح على الأصالة. هذا التحول أدى إلى تشويه دور المسلسلات الرمضانية التي من المفترض ان تكون  مرآة للمجتمع المصري، مما أدى إلى سوء تمثيل المجتمعات المصرية على الشاشة وشعورها بالتهميش.

لطالما كان الترفيه جزءًا لا يتجزأ من تقاليد رمضان. فالفوانيس ومدفع الإفطار و المسحراتي الذي يوقظ الناس للسحور، ومائدة الطعام الاحتفالية، جميعها رموز ترتبط بذاكرة ثقافية جماعية. لكن الآن تغير الوضع، واصبح من الصعب تحديد اللحظة التي بدأ فيها الترفيه يتفوق على هذه التقاليد.

قبل أن يصبح التليفزيون في مصر أداة للهيمنة خلال رمضان، كانت العائلات تجتمع حول الراديو للاستماع إلى “فوازير رمضان” التي كانت تقدمها أمال فهمي ويكتبها بيرم التونسي في الخمسينيات وأوائل الستينيات. ومع ظهور التلفزيون الأبيض والأسود، قُدمت “فوازير الثلاثي”، التي ضمت نجوم فرقة “ثلاثي أضواء المسرح”  سمير غانم، جورج سيدهم، والضيف أحمد، مما رسّخ الترفيه كجزء لا يتجزأ من تجربة رمضان. لكن أشكال الاستهلاك الإعلامي المبكرة هذه كانت تفاعلية، محفزة فكريًا، ومتجذرة بعمق في الثقافة المصرية. فقد  كانت العائلات تتنافس لحل الفوازير معًا، مما جعل الترفيه الرمضاني تجربة توحيدية.

مع مرور الستينيات، أصبحت الدراما التلفزيونية جزءًا من المشهد الرمضاني. فقد عُرض أول مسلسل تلفزيوني مصري، “هارب من الأيام”، في عام 1962، رغم أن ارتباطه برمضان كان محل جدل. لكن مثالًا أكثر وضوحًا هو مسلسل “القاهرة والناس”، الذي عُرض أسبوعيًا قبل رمضان وأثناءه وبعده عام 1968، وكان على غرار المسلسل الأمريكي “بيتون بلايس”. وعلى عكس الأعمال الحالية ذات الميزانيات المالية الضخمة، كانت حلقات المسلسل تتناول الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، والبيروقراطية، والواقع اليومي للطبقة الوسطى المصرية بعد حرب 1967، وضم نجومًا مثل نور الشريف ومحمود ياسين، الذين أصبحوا لاحقًا رموزًا في السينما المصرية.

فرقة “ثلاثي أضواء المسرح” قدمت العديد من الاعمال الفنية الشهيرة في الستينيات

الأمر اللافت للنظر كان مدى صراحة وحرية المسلسل في تناول القضايا التي تهم الجماهير. فقد وصف المخرج محمد فاضل كيف كان فريق المسلسل  يجتمع كل بضعة أسابيع لإعداد حلقات تعكس قضايا المجتمع الراهنة، بما في ذلك الفساد في انتخابات الاتحاد الاشتراكي في مصر( التنظيم السياسي الوحيد وقتها). في ذلك الوقت، كانت الرقابة شكلية إلى حد كبير؛ فالحياة الحقيقية للمصريين كانت تصل إلى الشاشة. وهذا يطرح تساؤلًا: هل جاء تراجع التمثيل الصادق للمجتمع نتيجة لتغيرات في قوانين الرقابة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن المستفيد من هذا التغيير؟

الاستعراض التجاري بديلا عن القصة

لسنوات طويلة، ظلت مشاهدة دراما التلفزيون في رمضان تجربة جماعية. عندما كنت طفلة، كانت عائلتي تجتمع معا لمشاهدة مسلسل واحد، الحلقة الواحدة تعرض لمرة واحدة. هي لحظة واحدة مشتركة كل مساء  لمدة 30 يومًا. وبينما كان المنزل يعج عادةً بأصوات تتنادي للإفطار أو السحور أو الصلاة، كان الصمت يسود بشكل مفاجئ بمجرد بدء الحلقة، في تناقض صارخ مع تفاعلنا العائلي العادي . الآن، عندما أتذكر ذلك الصمت، أتساءل إن كان وقتها نذيرًا بالتحول الثقافي الذي كنا مقدمين عليه؟

مع انخراطي في صناعة الترفيه، لاحظت تحولًا مقلقًا: لم يعد تلفزيون رمضان يدور حول الترابط العائلي في سياق قصص الدراما، بل أصبح سباقًا. سباقًا لإنتاج المزيد من المحتوى، وجذب المزيد من الإعلانات، وصناعة اتجاهات ثقافية مؤقتة. غرق جوهر السرد القصصي في حوافز رأسمالية، وأصبح الجواب عن سؤالي السابق أكثر وضوحًا: الصناعة هي المستفيد، بينما تضيع الأصالة.

اليوم، تفشل المسلسلات المصرية بشكل متزايد في عكس واقع المجتمعات المصرية. تبدو الشخصيات مصطنعة، وقصصها منفصلة عن التجارب الحقيقية. تفضل العديد من الأعمال التلفزيونية البذخ والأنماط الحياتية غير الواقعية والمصالح التجارية على العمق والتنوع والارتباط بالواقع. وبدلًا من تصوير التنوع الثقافي والاجتماعي لمصر، تقدم المسلسلات نسخة مبهرة من مصر لا يعرفها أو يتعرف عليها غالبية المصريين.

الزيف على الشاشة

كممثلة، قرأت سيناريوهات ولعبت أدوارًا لا تمثلني، ولا تمثل أصدقائي أو عائلتي. الاستثناءات النادرة، تقتصر على واحد أو اثنين، حافظت على شيء من الأصالة لتذكرني بما كان عليه التلفزيون المصري يومًا ما: مساحة للسرد الحقيقي، والحوار الهادف، والتأمل الثقافي.

لكن في معظم الأحيان، أجد نفسي أمام شخصيات غير واقعية، لا تتناسب ملامحها مع العالم الذي يُفترض أنها تنتمي إليه. أرى ممثلين يقضون ساعات في غرف المكياج، يرددون حوارات لا يؤمنون بها، ويؤدون أدوارًا بعيدة كل البعد عنهم وعن الواقع. ما يضيع في هذه العملية وهو الأصالة الثقافية، التمثيل الحقيقي، والنزاهة الفنية، يُعتبر مجرد خسائر جانبية في عملية الربح.

بلغت عبثية هذا الاستغلال التجاري ذروتها عندما لاحظت مشهدًا في مسلسل كوميدي رمضاني يظهر فيه منظر جوي للقاهرة، لأكتشف لاحقًا أن إحدى شركات الأجهزة المنزلية قد دفعت أموالا لحشر لوحة إعلانية لها  في المشهد العلوي للمدينة عبر المؤثرات البصرية بالكمبيوتر. أدركت حينها أنه حتى المشهد الجوي للقاهرة قد تم تغييره لخدمة المصالح التجارية، وشعرت وكأنني أعيش داخل حلقة من مسلسل Black Mirror.

  فخ الإبداع

لقد حاصر النمط التجاري للمسلسلات الرمضانية المبدعين، من كتاب ومخرجين وممثلين، وأجبرتهم على الخضوع لآلة  تضع الكم فوق الكيف، والاستعراض فوق المضمون. يشعر العديد من زملائي بالإحباط، وهم تحت ضغط رغبة البقاء في دائرة الضوء ضمن صناعة حولت السرد القصصي إلى سلعة استهلاكية تُستخدم لمرة واحدة!. وأنا أيضًا وجدت نفسي عالقة في هذه الدوامة، أعمل في مسلسلات لا أؤمن بها، فقط للبقاء حاضرة في المشهد الفني.

لماذا؟ لأنه حين تعمل في صناعة تقيس نجاحك بمدى حضورك في دائرة الضوء، يصبح الغياب مخاطرة . فرفض المشاركة يعني خطر النسيان. لذا، نرضخ، نتأقلم، نصبح جزءًا من الآلة، على أمل أن يأتي يوم تستعيد فيه القصة الدرامية مكانتها الحقيقية.

لم يعد سباق التلفزيون الرمضاني يدور حول السرد الثقافي، بل أصبح عن الإفراط في الاستهلاك. فكما تزيد العادات الغذائية والاجتماعية والاستهلاكية عن المعتاد خلال رمضان، يتضخم أيضًا استهلاكنا الإعلامي. وبدلًا من التركيز على عدد محدود من الأعمال الهادفة والمتقنة، تُغرق شركات الإنتاج السوق بأكثر من 30 مسلسلًا، كل منها يتنافس على جذب الانتباه، والإعلانات، والسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي.

استعادة “دراما رمضان”

ربما لا يكمن الحل في الكثرة، بل في الانتقاء والعمق. وكما فعل مسلسل  “القاهرة والناس” في السابق، يحتاج المشهد الإعلامي اليوم إلى أعمال أقل، لكنها أكثر تأثيرًا: قصص تتحدى، تعكس، وتتفاعل مع واقعنا المعاصر، بدلًا من أن تكون مجرد حشو للوقت. بعض الأعمال الحالية التي تتناول قضايا مثل حقوق المرأة، وأخلاقيات التكنولوجيا، وإساءة معاملة الأطفال، والظلم المؤسسي، تحمل أهمية ثقافية أكبر بكثير من سيل المسلسلات التي أفرغتها المصالح التجارية من محتواها.

فالوفرة لا تعني بالضرورة الثراء. في الواقع، يؤدي الإفراط في الدراما الرمضانية إلى تراجع المعنى، حيث أصبح السرد القصصي ثانويًا مقارنةً بالاستعراض البصري. ما كان يومًا فرصة للتفاعل الجماعي، تحول بشكل متناقض إلى عامل للانفصال، مما جعل الشهر الذي يفترض أن يكون وقتًا للتأمل والتواصل المشترك، ساحة أخرى للنزعة الاستهلاكية التي لا تحدها قيود.

والمفارقة أن روح رمضان الحقيقية روح المجتمع، والحضور، والتواصل العميق، لا تجد مكانا في المسلسلات المبهرة التي تغمر شاشات التليفزيون، لكن بوسع المرء أن يجدها في الواقع الحياتي: في الشوارع، حيث يجتمع الناس وسط ضجيج المقاهي بعد الإفطار، يتشاركون في لعب طاولة النرد على فنجان قهوة. في الطقوس البسيطة التي لم تخربها آلة الاستعراض. ومع استمرار تضخم الإنتاج الرمضاني، ربما لم تعد أكثر القصص أصالة تلك التي ترويها المسلسلات على الشاشة، بل في المساحات التي لم تسيطر عليها بعد.