الأحد, نوفمبر 23, 2025
الأحد, نوفمبر 23, 2025
ساهم

Sample Category Title

في مآلات الثورة التونسية: قيس سعيّد، الرئيس الذي تسانده الأزمات

النظر في مآلات وتبدلات الثورة التونسية، التي اندلعت في ديسمبر 2010 واكتملت برحيل الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير من عام 2011...

حسابات “النصر” و”الهزيمة” في اتفاق غزة

اشتبك كثيرون، فور الإعلان عن وقف إطلاق النار وبدء هدنة جديدة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية في قطاع غزة، حول الإجابة على سؤال: من...

أن تكون فلسطينيا في مناطق الـ 48: مطلوب التخلي عن الأرض والهوية مقابل منافع يومية

تحدثني جدتي " أمينة " في طريق عودتنا من مستشفى "رمبام" في حيفا، وأثناء مرورنا في أحد شوارع المدينة: " هاي كانت دكانة أبوي، هون تحت هذا الجامع".  تكمل جدتي الحديث ببرود، وكأنها قد اعتادت هي الأخرى على منظومة القهر والظلم " من قد ما رموا قنابل عالحارة حملنا حالنا وهجينا، مشينا، مشينا، مشينا لوصلنا للبنان وكملنا على حمص بسوريا، هناك قعدنا بمخيم لاجئين، كان الواحد يشكر ربه على لقمة الأكل، بعدها الله سترنا وقدرنا نرجع، مشينا بالجبال بالليالي ورجعنا على "عبلين"، هناك سكنا بس ملناش إشي هناك، راحت بيوتنا واراضينا وكلشي معنا ".  قصة عائلة جدتي وما جرى لها في النكبة ليست القصة الوحيدة، فتمكٌن عائلتي من العودة إلى "فلسطين" خلسة بعد التهجير يتشابه مع قصص الآلاف من أهالينا ممن هٌجروا عام النكبة وعادوا ليروا قراهم المدمرة وأملاكهم التي سلبها "القادمون" الجدد على مرمى حجر منهم، بينما كان عليهم وهم أهل البلاد، أن يعيشوا متخفين، حابسين أنفاسهم خوفا من شبح "الترانسفير" مرة أخرى كمئات الآلاف الذين طُردوا دون رجعة حتى الآن.   أما أنا "نداء نصار"، التي تقترب من الأربعين، فقد ولدت وكبرت في قرية "عرابة" في الجليل بفلسطين التاريخية. انا الأكبر بين ثلاثة إخوة ضمن عائلة صغيرة مكونة من خمسة أفراد. وأنا أنتمي إلى الجيل الذي ولد داخل الواقع الإسرائيلي، لم أشهد النكبة، على الأقل كما شهدتها جدتي. لكن لـ “حيفا"، هذه المدينة التي أسكنها منذ عشر سنوات، لضرورات العمل، معنى أخر.  في موطن الأجداد حيفا، مطلوب مني أن أقنع بوظيفة مضمونة، وراتب جيد، بالمقاهي والمجمعات التجارية الفارهة التي يمكنني ارتيادها. فهل يكفي هذا كثمن لنسيان ما ضاع؟   أنا لا أرى في حيفا سوى البيوت المهجرة من سكانها العرب، ومن بينها دكانة أهل جدتي وسأظل شاهدة على تحول الأحياء العربية في حيفا الى أحياء فقر هامشية في "مدينة التعايش “التي كانت تعج قبل النكبة بسكانها وأهلها ومثقفيها من العرب. إن إدراكا كهذا يفرض على جيلي معنى آخر للمدينة، ومعنى آخر للحياة وجودتها، ومعنى آخر لوجودك ودورك كفرد في هذا المجتمع.  هل هذا هو تشكل الهوية؟ أي مجموع القصص والتجارب والمعاني والأحزان واللغة والمكان الذي يضم مجموعة من الناس ويحولهم الى شعب له ماض وحاضر ومستقبل، نعم إنها المسميات الكبيرة متجسدة في مشاعرنا وتفاصيلنا اليومية.  لكن هذه الأشياء هي ذاتها التي تريد إسرائيل أن تسلبها منا، وأن تقنعنا بأنها غير موجودة أصلا، وأنها إن وجدت ليست مهمة. في مناهج التعليم الحكومية التي يتعين على الأطفال العرب في الداخل الفلسطيني دراستها، لم نكن نحن وآباؤنا وأجدادنا موجودين كفلسطينيين على طول هذه البلاد وعرضها، ولا حق لنا فيها سوى حق المقيم الغريب، والأسوأ من كل هذا، أن يصبح المطلوب منا مقايضة كل هذه المشاعر والأفكار والأحزان، أي مجموع الهوية، بفتات من الحقوق غير المستوفاة. نعم، أن تكون فلسطينيا في مناطق الـ 48 يعني أن تصارع يوميا على معنى وجودك، على قصتك، على حقك في أن يكون لك رواية لما حدث وتاريخ، على حقك أن تحلم، وعلى رغبتك بألا تكون مجرد آلة، مطلوب منها أن تصارع فقط، لكي تأكل وتشرب وتنام. إن أكثر ما يثير غضبي في قصة جدتي وأنا أطالع تفاصيلها الواقعية الآن، هو كيف تحولت هذه البيوت القديمة في الشوارع المركزية في حيفا الى مقاهٍ يملكها إسرائيليون أوروبيون، يدعون انتماءهم لليسار وحبهم للعرب، لنا أقصد، بعدما أخذوا بيوتنا. وحولوا بعضها إلى محلات باذخة جدا لا يرتادها سوى القادرين. وكلما شاهدت هذه المتاجر ومن ضمنها دكان أهل جدتي، فاض بي الخيال الساذج: انا الفتاة المستقلة في حيفا التي عليها أن تكدح كثيرا لتعيش بمستوى متوسط وتدفع إيجار بيت في هذه البلاد ذات الأسعار الباهظة، ماذا لو كان هذا البيت لي، أي لو كان ملكا لعائلتي ولي حتى هذه اللحظة؟ كيف كانت ستسير حياتي في هذا الشارع المركزيّ الفاره في حيفا؟   إلحاح الرواية الرسمية الإسرائيلية عنّا، لا يتوقف عند السعي لإقناعنا بالرضى عن حصولنا على وظيفة ودخل وطعام فحسب، لكنه يتصاعد لإقناعنا بأننا موضع حسد من فلسطينيين آخرين، وأن ظروف معيشتنا أفضل من إخواننا الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وغزة، وأنه يتوجب علينا ان نكون شاكرين لإسرائيل على هذه الظروف والنعم والخيرات. وقتها تنتابني فرضية أخرى، فأتساءل، لو أحضرنا ميزانا ووضعنا ما سٌلب منا في كفة و"النعم" التي يجب أن نشكر إسرائيل عليها في الكفة الاخرى، أي كفة سترجح؟ عندها أتذكر أن هذه اللعبة غير مسموح بها أيضا، فالألعاب المسموح بها في هذا العالم يحددها القوي، كما يحدد أيضا أحجار النرد التي يتعين استخدامها ومن أين تبدأ. يحدد القوي نقطة الصفر في اللعبة، ويرفض العودة بالتاريخ إلى نقطة ما قبل الصفر الذي اختاره، الى بيت جدتي مثلا وإيجار السكن الباهظ في حيفا. إسرائيل الوجه الأصلي   إن تداعيات ما تتعرض له غزة والضفة الغربية في أعقاب السابع من أكتوبر/ تشرين الثاني تمتد آثاره إلى المجتمع الفلسطيني في أراضي الـ 48 متمثلة في حملات ترهيب وتخويف.  أعاد الرد الإسرائيلي على تلك الهجمات الوجه الأصلي للدولة وآلتها القمعية التي يعرفها الفلسطينيون في كافة أماكن تواجدهم، لكن إسرائيل لم تكن قد تغيرت قبلها، كانت هناك فقط ثمة هوامش ومجالات مناورة لكنها ضاقت أو محيت خلال الحرب. يعرف الفلسطينيون هذا "الوجه الأصلي" من سردية النكبة ومن تكرار مشاهد الإبادة في غزة. قبل الحرب، ربما كانت تسمح إسرائيل بمظاهرات ووقفات هنا أو هناك، وربما اعتقلت بعض المشاركين أو كلهم. لكن بعد الحرب صار المنع حتمياً، اذ أصبحت المظاهرات تجرم قبل أن تحصل في دولة تدعي الديمقراطية. إن ما أعلنه المدير العام للشرطة الإسرائيلية كوبي شفتاي في أول أسبوع من الحرب، ردا على محاولات التحرك الشعبي في الداخل الفلسطيني بالتظاهر ضد حرب الإبادة على غزة، يعبر عن تلك الذهنية التي ترى بها إسرائيل الفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم. قال شفتاي موجها كلامه إلى المجتمع العربي " إذا كان العرب في الداخل يريدون التضامن مع سكان غزة، سنمكنهم من ذلك ونوفر لهم باصات تنقلهم إلى هناك ليتضامنوا مع غزة للأبد". لقد أصبح ممكنا الآن بفضل حملة القمع أن يُدان مواطن عربي في إسرائيل بـ “قراءة" دورية أو الإعجاب بمنشور على السوشيال ميديا لأن المؤسسة الأمنية تعتبر ذلك المنشور مؤيدا للعنف ضمن قوانين مكافحة الإرهاب قيد التعديل في اسرائيل.  لم تقتصر تداعيات الحرب على المؤسسة الإسرائيلية الرسمية فحسب، بل امتدت لتطال المجتمع الإسرائيلي بمختلف أطيافه، انفجرت فقاعة ما يسمي باليسار الليبرالي الصهيوني، الذي طالما بِيًض صهيونيته بادعاء مناهضة الاحتلال، وهو في الأغلب مناهض لما يراه غير مفيد بنظره للمشروع الصهيوني لا أكثر.  تماهى هذا اليسار مع أهداف ومجريات حرب الإبادة على غزة، روج للقتل والتهجير ولتكميم افواه كل من يعبر عن مواقفه وينادي بغير ذلك، وأصبحوا كما غيرهم جزءا من الممارسة العسكرية الأمنية، أما من بقي على موقفه فهم مجموعة محدودة من اليهود "اللاصهيونيين" الذين يمارسون الفعل الاحتجاجي الصريح بصفتهم الشخصية. هذا الاصطدام المباشر معنا كفلسطينيين، لم يكن ما عهدناه سابقا، إذ اقتصر في السابق، في "هبة الكرامة" في مايو/أيار 2021 مثلاً، على مجموعات صهيونية استيطانية متطرفة تتركز فيما يسمى المدن "المختلطة" كاللد وعكا وحيفا ويافا، إذ هاجمت مجموعات "النواة التوراتية" التي تسعى لتكثيف حركة الاستيطان في المدن المختلطة للقضاء على الوجود العربي، الأحياء العربية في هذه المدن واعتدت على أهلها.  في هذه الحرب تقلصت الفروق حتى كادت تتلاشى، فأصبحت المحاكم والجامعات مجندة في الدور العدائيّ نفسه. إذ تم تجميد وطرد مئات الشباب والشابات الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية من دراستهم وتقديمهم للجان استماع، فقط لأن زملاءهم اليهود وشوا بهم أو أرسلوا صورا إلى إدارة الجامعات والأجهزة الأمنية من منشوراتهم على مواقع التواصل المناهضة للحرب ولقتل الأطفال في غزة. هكذا سقطت الأقنعة، ليتحول كل المجتمع المدني اليهودي إلى جندي في الجيش الإسرائيلي، فجامعة حيفا مثلا، التي تباهي بكونها صرحا ًللتعددية، قامت بتسليم ملفات طالبات عربيات للشرطة الإسرائيلية التي اعتقلتهن بدورها في ساعات الليل المتأخرة. لم تسلم أماكن العمل من هذه الهجمة، فإذا كان من الممكن تجنب الخوض في حوارات سياسية فائضة وغير مجدية مع المشغلين والزملاء الإسرائيليين في العمل، لم يعد ذلك ممكنا بعد الحرب، فالنأي بالنفس والصمت لم يعودا مقبولين في العرف الإسرائيلي العنصريّ. الجديد هنا، هو أنك أصبحت مُحاسبا على صمتك لا على ما تقوله فحسب، ومٌطالب بترديد الرواية الإسرائيلية لما حدث وسيحدث، والتسليم بعقلية الإبادة. هكذا قد يطلب من الفلسطيني في مكان عمله أن يشارك في دعم توزيع قروض غذاء لجنود جيش الاحتلال أو أن يشارك في صور التضامن مع الرهائن وقد لا يعفيك التغيب عن العمل من مثل هذه المراسيم.  علاقات القوة الشرسة يخضع المجتمع الفلسطيني في الداخل ومنذ قيام إسرائيل إلى علاقات قوة وهيمنة تهدف إلى سحقه وتفكيكه ذاتيا مع مرور الوقت. فنحو 50% من العائلات العربية في الداخل الفلسطيني تقبع تحت خط الفقر، ناهيك عن تفشي العنف والجريمة المتصاعدة وسط تجاهل مقصود من أجهزة الدولة الإسرائيلية، حتى خلصنا الى واقع لا حصانة فيه لأحد من الطلقات النارية العبثية المترامية في كل شارع. ولو نظرنا الى شريحة الشباب العرب في اسرائيل على سبيل المثال، لا ينتمي 40% من الشباب بين الأجيال 18-24 لأية إطار تعليمي أو إطار عمل، وهم بالغالب جزء من ضحايا العنف والجريمة التي تستهدف المجتمع العربي بمعدل 30 مرة نظير ما يتعرض له المجتمع اليهودي ما بين مصاب بالطلقات النارية وقتيل. وإذا نظرنا الى قطاع التعليم مثلا، تبلغ الميزانية المخصصة للطالب اليهودي في المدارس الاسرائيلية ثلاثة أضعاف تلك المخصصة للطالب العربي، وهي كلها أمثلة تجسد واقع التمييز الحاد في كافة مجالات الحياة اليومية تجاهنا كفلسطينيين عرب حاملين للمواطنة الاسرائيلية. إلا أن الأمر لا يقتصر على ذلك، فقضيتنا ليست متعلقة بالميزانيات والفرص والبنى التحتية التي قد تحسّنها حكومة أو وزارة دون أخرى بناء على معادلة الربح والخسارة في المرحلة المحددة، ولا يدور الحديث عن تمييز وعنصرية بالشكل المألوف تجاه الأقليات (لأننا لسنا أقلية تقليدية في سياق دولة، بل مركب من شعب أكبر يسعى لتحقيق مصيره) في أي مكان بالعالم، بل عن علاقات قوة غير متوازنة، أعمق وأشرس، عن عدم  توازن لا يمكن تسويته او تصفيره طالما صممت هذه الدولة أن تعرف نفسها على أنها يهودية، فهي بالوقت ذاته تقول لي ولنا جميعنا، لا مكان لكم هنا، فمقدرات ومستقبل وحرص هذه الدولة مخصص لمجموعة حصرية ومغلقة، لستم جزء منها. وبهذا ندرك، أن لا إمكانية لتحقيق أية مساواة جوهرية، دون ان تكون تلك الأخيرة مرتبطة بحق تقرير المصير وتحرر الشعب الفلسطيني بالكامل، ومن ضمنه- نحن كفلسطينيون في مناطق ال 48.

عام على “طوفان الأقصى”: عن الحياة وسط المذابح والقصف والجوع في غزة

صباح سبت كان يٌفترض أن يكون عاديا جدا بمقاييس قطاع غزة، لكن أصوات القنابل والانفجارات كانت قريبة ومدوية على نحو غير عادي لتفزعني من نومي متخيلة أنني في كابوس، فخرجت إلى أهلي أصرخ "القيامة قامت". جريت إلى الشارع، نظرت إلى السماء، كانت مليئة برشقات صواريخ تطير فوق رأسي، وتكبيرات تنطلق من المساجد وصراخ مواطنين مفزوعين يصم الآفاق، فعدت مسرعة إلى داخل المنزل خوفا من شظايا المقذوفات. في المنزل، فتحت هاتفي لأعرف ما الذي يحدث، هل هو اغتيال قيادي بارز من حماس أو الجهاد الإسلامي، أم أن إسرائيل أعلنت الحرب علينا؟  في تلك الساعات كان كل شيء لا يزال ضبابيا، وكثرت التساؤلات لدى أهالي غزة، حتى أطل علينا قيادي حماس "محمد الضيف" ليعلن بدء عملية "طوفان الأقصى". عرفنا أن عناصر المقاومة اقتحموا الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة تحت غطاء من رشقات صاروخية مكثفة، وقتلوا وأسروا أكثر من 1400 إسرائيلي، حتى ظن أهل القطاع أن الهجوم بداية لتحرير أرض فلسطين. عدد كبير من سكان القطاع توجهوا إلى غلاف غزة والتقطوا صورا لهم على الدبابات الإسرائيلية ولم يعتقلوا إسرائيليين أو يقتلوهم، لم يقوموا بأي شيء، لكن ما حدث ذلك اليوم كان مبرر إسرائيل لقتل عشرات الآلاف من المدنيين.  بعد ذلك اليوم أُصبت بصدمة نفسية، وامتنعت عن الطعام إلا القليل الذي يبقيني على قيد الحياة ولمدة أسبوع، أدركت بعدها أن حياتنا في قطاع غزة قد انتهت.  توقعات وانتظار الرد الإسرائيلي على العملية كان بالنسبة لنا نوعا من العذاب، بقينا لساعات نتخيل ما سيحدث، كنا نقول لأنفسنا "حسرة راح يمسحونا من الوجود". لم يتأخر الرد الإسرائيلي كثيرا، فبعد ساعات، بدأت الطائرات الحربية تقصف أحياء ومربعات سكنية بشكل كلي، كانت الضربات الجوية عبارة عن أحزمة نارية، وهي عبارة عن سلسلة صواريخ تحمل أطناناً من المتفجرات تُلقى في وقت واحد وعلى منطقة واحدة مخلفةً دماراً كبيراً وموقعةً آلاف الشهداء والجرحى. في الشهور الأولى من الحرب على غزة، كنا نسجل يومياً أكثر من 1000 شهيد ومئات الجرحى. مع تكثيف الضربات العسكرية بدأ الاحتلال تطبيق العقاب الجماعي الكامل على سكان القطاع في كل ما يتعلق بأساسيات الحياة اليومية، فقطع عنا جميع الخدمات، ماء وكهرباء واتصالات وانترنت، وفرض علينا حصاراً كلياً، ومنع إدخال الطعام والدواء بعد إغلاق كامل للمعابر. واستمر هذا الحال في القصف الجوي المكثف والتدمير العشوائي للمباني وقتل المدنيين، لما يقارب ثلاثة أسابيع، كنا نأمل خلالها أن يكتفي بهذا القدر من القتل والدمار، لنتفاجأ بعد ذلك بمكالمات هاتفية ورسائل نصية تصل لهواتفنا الخلوية من أرقام تظهر على شاشة هواتفنا باسم "جيش الدفاع الإسرائيلي"، رغم أن الاتصالات كانت في تلك الفترة مقطوعة بالكامل، كما قاموا بإلقاء منشورات ورقية من الطائرات طالبونا فيها بإخلاء شمال قطاع غزة والتوجه إلى وسط وجنوب القطاع بدعوى الحفاظ على أرواحنا لأنها مناطق آمنة. هرع الناس عبر شارع صلاح الدين الممتد من اقصى شمال حتى اقصى جنوب القطاع، متجهين إلى الجنوب بناء على خديعة الجيش الإسرائيلي لهم وإيهامهم بانها مناطق آمنة، ونزح ما يقارب مليون شخص، لكن سرعان ما قام الجيش الإسرائيلي بعمليات عسكرية جوية وبرية فيها، لا تقل شدة عما فعلوه في شمال القطاع، وأصبحت غزة كلها مناطق قتال ولا مكاناً آمناً فيه. وفي فجر السابع والعشرين من أكتوبر استيقظنا على اصوات تحرك للآليات الإسرائيلية وأصوات قذائفها المدفعية قادمة من شواطئ زيكيم في بحر شمال القطاع إلى داخل القطاع، وأعلن الجيش الإسرائيلي حينها بدء التوغل البري. بدأت الدبابات تتقدم وقبيل كل مكان تصل إليه تقوم الطائرات الإسرائيلية بنسف وتدمير كافة المباني السكنية خشية وجود مقاومين فيها إضافة لهدف الاحتلال الإسرائيلي الاساسي بتدمير القطاع وتدمير البنية التحتية فيه. ازدادت تحذيرات الجيش لسكان الشمال بالإخلاء وازدادت استجابة المواطنين لأوامر النزوح حتى وصل عدد النازحين إلى مليون ونصف. مع توغل الآليات داخل مدن شمال القطاع دارت اشتباكات عنيفة بين المقاومة والجيش الإسرائيلي وصارت طائرات الاباتشي و"الكواد كابتر" والمدافع تطلق نيرانها علينا بشكل مكثف وعشوائي، حيث وقعت خلال تلك الفترة مئات المجازر راح ضحيتها آلاف الشهداء والجرحى، من بينها مجزرة في مربعنا واستشهد وأُصيب فيها العشرات من جيراني وأقاربي وجميعهم مدنيون ولا علاقة لهم باي نشاط عسكري. كانت فترة صعبة جداً، كنا نموت في الدقيقة ألف مرة من شدة الرعب والخوف الذي عشناه، ولم نستطع خلالها الخروج من بيوتنا او حتى الوقوف على شبابيك منازلنا لأن الجيش كان يتعامل مع كل جسم متحرك على أنه مقاوم ويطلق عليه النار مباشرة، إضافة لطائرات "الكواد كابتر" التي كانت تتواجد بكثافة، ولصغر حجمها قادرة على دخول المنازل، او التحليق على الشبابيك لتصوير من في داخل المنزل في انتهاك لخصوصيتنا بدعوى البحث عن الرهائن. كان شمال غزة هو الهدف الرئيسي للجيش الإسرائيلي في تلك الفترة، فالحصار المفروض علينا كان يهدف لإجبارنا بالقوة على النزوح وترحيل من تبقى منا، وهو وما يسعى له الاحتلال منذ نكبة عام 1948. كان إطلاق قنابل الدخان علينا أمر يومي، كانت غازاتها والدخان المنبعث منها تسبب لي الاختناق، إضافة لمنع إدخال الطعام والوقود اللازم لتشغيل الآبار ومحطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي، حتى أصبحنا نعيش وسط مستنقعات من مياه الصرف الصحي ونشرب مياها ملوثة، ونأكل أعلاف الحيوانات وأعشاب الأرض بسبب المجاعة التي عشناها لعدة شهور، إضافة لاجتياح وتدمير غالبية مستشفيات الشمال، حيث كان من يصاب يموت وهو ينزف لا يجد علاجا او حتى سيارة إسعاف توصله لما تبقى من مستشفيات او نقاط طبية تعمل في تلك الفترة. ألح العديد من اقربائي وزملائي علينا للنزوح بسرعة من الشمال بسبب خطورة الوضع، لكن كنت أرفض بشدة أن نغادر بيتنا، ولأقطع الطريق على أي تردد، قررت عدم الرد على اتصالاتهم، وقمت أيضاً بحظر الارقام التي كان الجيش الإسرائيلي يهاتفني منها للمطالبة بالإخلاء، حتى اهلي وعائلتي فكروا وأوشكوا على اتخاذ قرارهم بالنزوح للجنوب، لكنني وقفت في وجههم ومنعتهم من منطلق إدراكي بعدم وجود منطقة آمنة في جميع انحاء القطاع، وان ما يحدث في شماله سيمتد إلى ما تبقى منه بعد ذلك، وهذا بالفعل ما حدث.  استمرت المجاعة حتى بدأت بعض الدول العربية والاوروبية واميركا بعد احتجاجات دولية بإلقاء مساعدات غذائية عبر الطائرات، كنت أتوجه يومياً لشاطئ البحر في الأماكن التي تلقي فيها الطائرات أكياس المساعدات لأزاحم الرجال على أمل الحصول على علبة حمص او فول أتناولها مع عائلتي على وجبة السحور او الإفطار في شهر رمضان، إضافة لإدخال شاحنات قليلة من الدقيق عبر مفترق النابلسي والكويت بالقرب من وسط القطاع. لم تكن نيران الجيش الإسرائيلي فقط هي التي تقتل أهل غزة في تلك الفترة بعد أن أٌضيف إليها سبب آخر للموت هو تزاحم الجوعى من اجل الحصول على كيس دقيق. في إحدى تلك الليالي، وبينما كانت آليات الجيش الإسرائيلي تتقدم متزامنة مع قصف جوي ومدفعي وبحري عنيف، واشتباكات مع المقاومة، وانقطاع تام للاتصالات، صرخت زوجة اخي التي جاءتها آلام الطلق مؤذنة بمولد طفلتها، وانتابنا جميعا الارتباك وكأننا لم نتحسب لأمر محتوم كهذا. لم يكن بوسع أحد الخروج  وسط نيران القصف، وكانت خطوط الاتصالات مقطوعة، لم نستطع الاتصال بالإسعاف، ولم نعرف ماذا نفعل. قلت لها هل بإمكانك تأجيل الولادة حتى الصبح؟، صرخت وقالت لي: "قاعدة بموت". اضطر أخي للخروج من المنزل وخرجت معه بحثا عن أحد يسعفنا، فوجدنا شبانا كانوا يسيرون ليلاً لضبط الأمن في المنطقة، وطلبنا منهم سيارة تنقلها للمستشفى وبالفعل نقلوها ونحن على يقين بأننا لن ننجو من الموت المحدق في كل مكان. لم تعاقب إسرائيل في حربها حركة "حماس" التي قادت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول بقرار أحادي دون مشورة أحد، او معرفة سكان القطاع، وهو هجوم بلا أدني شك لو تم اطلاعنا عليه قبل القيام به لرفضناه لأننا ندرك تماماً العواقب التي ستؤول إليه، لكن إسرائيل تعاملت معنا جميعاً في القطاع على اننا منتمين لحماس او مؤيدين لها وعاقبتنا بوحشية وإجرام وقتل بلا هوادة دون تمييز بين طفل، أو شاب، او إمراه، او مسن، واوقعت ما يقارب 100 ألف شهيد. أما إحصائية وزارة الصحة بغزة فيما يتعلق بأعداد الشهداء فهي غير دقيقة، لان هناك عشرات الآلاف من الشهداء لم تسجلهم الصحة، لأن منهم من ذابت أو تبخرت جثته بفعل السلاح الذي تستخدمه إسرائيل في قتلنا، ومنهم من تحللت أجسادهم دون استطاعة طواقم الإسعاف والدفاع المدني أو حتى المواطنين انتشالها بسبب خطورة الاوضاع، ومنهم من قُتل ونهشت الكلاب الضالة والقطط أجسادهم.  لم يكن مشهد الشهداء والأشلاء والدماء والثكلى والأيتام والأرامل مشهد عادياً في حياتي من قبل، لقد كنت اصرخ إذا شاهدت نقطة دم، أما الآن فقد أصبحت تلك المشاهد مألوفة بالنسبة لي لكثرة مشاهدتها، فهنا أرى يداً وهناك أرى قدماً، وهناك جثة ملقاة على الأرض لا تجد من يدفنها. هذه المشاهد تذكرني بتصريحات وزير الجيش الإسرائيلي يوآف غالانت في بداية الحرب عندما وصفنا ب "الحيوانات البشرية"، كنت عند رؤية مشاهد القتلى والاشلاء أشعر أن إسرائيل أرادت بالفعل أن تجعلنا "حيوانات بشرية" بعد أن جردتنا من قدرة الفعل على التعامل مع هذه المشاهد والجمود أمامها وهو أمر لم نعرفه قبل الحرب.  بعد شهور من الأحزمة النارية والقصف والجوع، لم تعد مشاعر الخوف تعد تسيطر عليَّ، فقد كنت أخرج من بيتي لإيصال الطعام لأهلي عندما نزحوا إلى مكان آخر خلال اجتياح مدينة جباليا التي بقيت فيها حتى أواخر ديسمبر/كانون الأول حتى مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، وشظايا المدافع تتطاير من فوق راسي وتسقط على الأرض أمام عيني وطائرات "الكواد كابتر" تطلق نيرانها بشكل عشوائي في شارعنا وعلى باب بيتنا، وقصف الطائرات الحربية العنيف. تجردت في تلك الفترة من مشاعر المبالاة والخوف والقلق، بل بالعكس، كنت أتمنى ان تصيبني قذيفة أو طلق ناري ينهي حياتي للأبد لأن الموت أصبح أملي الوحيد انا وآلاف غيري من أهالي القطاع في تلك الفترة.  لم تعد لديَّ آمال أو أحلام او تطلعات للمستقبل، فمنذ السابع من أكتوبر انتهت الحياة من وجهة نظري وانتهت معها آمالي واحلامي. أمارس حياتي الآن بشكل روتيني لا يمت لحياتي قبل ذلك التاريخ بأي صلة وكل ما أفكر به الآن فقط هو هل سأعيش؟ وإلى متى؟ ام سأتحول في أي لحظة إلى رقم بين الارقام التي تسجلها وزارة الصحة بغزة لأعداد الشهداء؟ رغم عمري القصير، فقد عايشت عدة حروب في القطاع قبل هذه الحرب، وفي كل مرة كنت أخرج بسلام لأخطط للمرحلة المقبلة من حياتي وأبدا من جديد، لكن لدي شعورا أنني لن أخرج من هذه الحرب، وإن خرجت منها فلم يعد أمامنا مستقبل نعيشه ونخطط له. أعيش الآن في بقعة جغرافية انعدمت فيها كل مقومات الحياة، وحتى لو انتهت الحرب سنحتاج لسنوات طويلة كي تعود غزة لما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر، ولعلنا فقدنا فيها اهم ما يمكن ان ينعم به الإنسان في حياته وهو "الامان". أمضيت 17 عاماً من عمري بين حروب وتصعيدات، لم يعد لديَّ أي طموح شخصي أو هدف في حياتي أحلم بأن أحققه. فالحرب قتلت العلماء، ودمرت المنشآت، وحصدت كل ما هو أخضر، وحطمت كل ما هو جميل. جاءت الحرب فدمرت كل أهدافنا وأحلامنا بين ليلة وضحاها ولا تزال.  بعد عامٍ من الحرب، وسنوات أخرى من حروب سبقتها، لا يمكنني أن أخطط لشيء داخل قطاع غزة، لأنني على يقين تام أن كل ما سأقوم به وأبنيه ستأتي حرب جديدة وتهدمه، لذلك أتمنى الآن أن أبدأ حياة جديدة، أحقق فيها طموحاتي وأهدافي، لكن! خارج قطاع غزة. كل ما أتمناه الآن ان أجد بلداً آمناً بعيدا أعيش فيه، لربما أنجح في تحقيق إنجاز ما أو هدف ما فيما تبقى لي من العمر. في السابع من أكتوبر، أتذكر أن ما بدأ كصدمة استمر لمدة 365 يوما تحت القصف والجوع والنار والمذابح، لا يزال مستمرا، والعالم يشاهد وكأن ما يحدث لنا تسلية صباحية أو مسائية عابرة في نشرات الأخبار.  ورغم أننا لسنا بخير، لكننا صامدون، ولو سألنا أحد كيف حالنا؟ سنقول: بخير، لكننا في الحقيقة لسنا بخير. 

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من أكثر المجتمعات الأوروبية تقدماً في الظلام. لم يكن انقطاع الكهرباء الذي اجتاح إسبانيا والبرتغال مجرد...

غاري لينكر، النجم الذي أغضب إسرائيل فتخلت عنه بي بي سي

لم يتلق غاري لينيكر طوال مسيرته  الاحترافية في ملاعب كرة القدم بطاقة جزاء واحدة، صفراء أو حمراء، طوال مسيرته الكروية التي امتدت 16 عامًا...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في التسعينيات في تسعينيات القرن الماضي، كان ملايين الأمريكيين يجتمعون يوميًا أمام شاشات التليفزيون لمشاهدة برنامج "ذا...